للوهلة الأولى يدرك رجل الشارع العادي بمجرد سماعة أن القيمة السوقية لنجمنا المصري محمد صلاح في الدوري الإنجليزي قد بلغت 55 مليون يورو – بحسب موقع Transfermarkt.com المعني بصفقات كرة القدم حول العالم – أن الرياضة في عصرنا الحديث قد بلغت مبلغاً عظيماً على ساحة الاستثمارات العالمية.
ويُعضد تلك القراءة ما شهده سوق الرياضة العالمي من نموًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. ففي عام 2018، قُدِّرت قيمة سوق الرياضة عالماً بحوالي 471 مليار دولار أمريكي، وارتفعت إلى نحو 484.9 مليار دولار في عام 2023، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 3.6% خلال تلك الفترة بحسب موقع Statista المتخصص في إصدار التقارير الإحصائية العالمية.
كما توقع موقع Statista في تقاريره المتتالية أن يستمر هذا النمو، حيث يُتوقع أن يصل حجم السوق إلى 862.6 مليار دولار بحلول عام 2028، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 5.8% من عام 2024 إلى 2028.
ويُعزى هذا التوسع إلى عدة عوامل، لعل من أبرزها النمو الاقتصادي في الأسواق الناشئة، والارتفاع السريع في مؤشرات التجارة الإلكترونية، والتطورات المستمرة في عالم الرياضة، وزيادة الاستثمارات في الرعاية والتسويق الرياضي.
ومن الجدير بالذكر أن بعض التقارير تشير إلى أرقام مختلفة؛ فعلى سبيل المثال، قُدِّرت إيرادات سوق الرياضة العالمي في عام 2019 بحوالي 2.3 تريليون دولار، مع زيادة قدرها 338 مليار دولار خلال أربع سنوات وفق تقارير صادرة عن جهات أخرى.
حيث تُظهر هذه الأرقام التباين في تقديرات حجم سوق الرياضة العالمي، مما يعكس تنوع المنهجيات المستخدمة في قياسه. ومع ذلك، يتفق الجميع على أن الاستثمار الرياضي يشهد نموًا مستمرًا، مما يعزز من دوره كقطاع اقتصادي حيوي على الساحة العالمية.
والشرق الأوسط ليس بمعزل عن هذا التطور المتسارع، حيث شهدت منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا في حجم الاستثمارات الرياضية، مدفوعة برؤية الدول لتعزيز القطاع الرياضي كأحد المحركات الاقتصادية والتنموية.
ففي هذا السياق تُعد المملكة العربية السعودية من أبرز الدول التي استثمرت بشكل كبير في هذا المجال. وفقًا لتصريحات وزارة الاستثمار السعودية، حيث يُقدر حجم السوق الرياضية في المملكة بحوالي 30 مليار ريال سعودي حاليًا، مع توقعات بارتفاعه إلى 84 مليار ريال بحلول عام 2030.
بالإضافة إلى ذلك، أطلقت المملكة العربية السعودية صندوق “سرج” الرياضي بالتعاون مع شركاء دوليين، بهدف استثمار 4 مليارات دولار في القطاع الرياضي. كما استحوذ الصندوق السيادي السعودي على حصة في منصة البث الرياضي “DAZN”، في صفقة قُدرت قيمتها بحوالي مليار دولار.
وفي سياق متصل فقد استثمرت قطر نحو 220 مليار دولار في كأس العالم 2022، ما جعلها حدثًا استثنائيًا عزز اقتصاد الدولة. كذلك، تستعد السعودية لاستضافة كأس آسيا 2027، باستثمارات تصل إلى 10 مليارات دولار في البنية التحتية. هذه الأرقام تعكس التحول الكبير في النظرة إلى الرياضة، حيث لم تعد مجرد هواية، بل قطاعًا استثماريًا واعدًا يجذب المستثمرين العالميين.
كما شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة شراكات ناجحة بين القطاعين العام والخاص في تنظيم فعاليات مثل سباق الفورمولا 1 في أبوظبي، والذي يجذب سنوياً أكثر من 100 ألف زائر، ويحقّق عائدات اقتصادية تصل إلى 1.5 مليار دولار سنوياً.
بينما على أرض الكنانة مصر فقد سجلت العوائد الاقتصادية من مشروعات القطاع الرياضي حوالي 1.97 مليار جنيه مصري خلال عام 2023، مقارنة بـ 843.91 مليون جنيه في عام 2018، مما يمثل زيادة بنسبة 132.88% وذلك بحسب مركز دعم واتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء المصرية.
وعلى صعيد متصل فقد أعلنت وزارة الشباب والرياضة المصرية في نهاية عام 2024 في مؤتمر صحفي مشترك مع المعهد القومي للتخطيط المصري، عن نتائج دراسة مشتركه حول الحساب الفرعي للرياضة في مصر – والذي يختص بحساب نسبة مساهمة الرياضة في الناتج القومي الإجمالي المصري – حيث أسفرت الدراسة عن أن الرياضة المصرية تساهم بحوالي 1.3 % في الناتج القومي الإجمالي المصري، بما يقدر بحوالي 36 مليار جنية مصري.
وعلى الرغم من هذه الأرقام، لا تتوفر بيانات مجمعة دقيقة حول إجمالي حجم الاستثمار الرياضي في منطقة الشرق الأوسط بأكملها. ومع ذلك، تشير المؤشرات إلى تزايد الاهتمام والاستثمار في هذا القطاع، مع توقعات بنمو مستمر في السنوات القادمة.
التحديات والفرص
رغم النجاحات الكبيرة، لا تزال هناك تحديات تواجه الاستثمار الرياضي في المنطقة. من أبرز هذه التحديات الحاجة إلى مزيد من التمويل، وضمان الاستدامة البيئية للمشاريع الرياضية، وتعزيز الثقافة الرياضية لدى الأفراد. إلا أن الفرص المتاحة تفوق التحديات، خاصة مع تزايد الاهتمام بالرياضة النسائية، وانتشار الرياضات الإلكترونية، والتي تعد سوقاً واعدة للاستثمار.
خارطة طريق المستقبل
كل هذه العوامل سالفة الذكر تؤكد على الحاجة الملحة إلى إطار عمل تكاملي يضع في اعتباره خصائص كل دوله من دول الشرق الأوسط، بحيث يرتكز هذا الاطار على العمل المشترك والتنسيقي بين دول الإقليم في هذا الاطار، سواء من حيث السياسات العامة وخطط وبرامج العمل، بما يفضي في النهاية إلى تعزيز دور الاستثمارات الرياضية في اقتصادات دول الشرق الأوسط.
د. عبد الله مصطفى فرماوي مدرس الإدارة الرياضية بكلية علوم الرياضة بنين جامعة حلوان، رئيس شعبة الدراسات الرياضية بمركز بحوث الشرق الأوسط والدراسات المستقبلية