في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتصاعد الحاجة إلى مهارات غير تقليدية، يبرز التعليم المستمر كأحد أهم محركات تطوير رأس المال البشري، خاصة في ظل توجه الدولة نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة. ومن هذا المنطلق، تقود كلية التعليم المستمر بـ الجامعة الأمريكية بالقاهرة جهودًا متقدمة لإعادة صياغة مفهوم التعلم المهني، عبر برامج حديثة وشراكات استراتيجية تستهدف تأهيل الشباب والعاملين لمتطلبات سوق العمل المتغيرة.
وفي حوار خاص مع موقع في الجامعة، يكشف الدكتور محمود علام، عميد الكلية، عن ملامح خطة توسعية طموحة تشمل التواجد في العاصمة الإدارية، وإطلاق برامج نوعية في مجالات الذكاء الاصطناعي والسياحة وريادة الأعمال، إلى جانب بناء منظومة تدريب متكاملة تربط بين التعليم والتوظيف، وتعزز من تنافسية الكوادر المصرية محليًا ودوليًا.
وإليكم نص حوار عميد كلية التعليم المستمر…
ما الرؤية الاستراتيجية الحالية لكلية التعليم المستمر في إطار التوسع المؤسسي في مصر؟
تُعد كلية التعليم المستمر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة من المؤسسات الرائدة في مجال التعليم المستمر والتطوير المهني في مصر منذ قرن كامل، ومع انطلاق المئوية الثانية، تسعى الكلية إلى التوسع في أنشطتها عبر تقديم برامج جديدة متطورة في مختلف المجالات وفقًا لمتطلبات سوق العمل.
ما الأهداف التي تواجهكم في المرحلة القادمة؟
نهدف إلى تعزيز الأثر المجتمعي وزيادة فرص التوظيف من خلال شراكات استراتيجية واتفاقيات تعاون مع مؤسسات وجهات داخل مصر وخارجها، مما يسهم في إتاحة فرص تعليمية لشرائح أوسع من المجتمع.
افتتاح مركز تطوير مهني في العاصمة الإدارية الجديدة؟
تمثل الشراكة مع شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية وافتتاح مركز التطوير المهني في العاصمة خطوة استراتيجية تهدف إلى نقل خبرات الجامعة إلى مجالات صناعة القرار وإدارة الدولة. يركز المركز على تطوير المهارات المهنية لكوادر الحكومة والهيئات العامة والقطاع الخاص داخل العاصمة من خلال تقديم برامج متعددة ومتنوعة تعزز القيادة، وتدعم كفاءة المؤسسات وجودة الخدمات، بالإضافة إلى التحول الرقمي. تأتي هذه المبادرة لدعم رأس المال البشري وبناء جهاز حكومي متطور يتماشى مع أهداف رؤية مصر 2030.
كيف تساهم كلية التعليم المستمر في تطوير المهارات المهنية للعاملين في قطاع السياحة، خصوصًا بعد الشراكة مع المتحف المصري الكبير لتدريب المرشدين السياحيين؟
تعمل كلية التعليم المستمر حاليًا على تأسيس أكاديمية متخصصة في الفندقة والسياحة بهدف تطوير المهارات وتعزيز كفاءة العاملين في هذا القطاع الحيوي، وذلك دعمًا لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للسياحة التي تهدف إلى مضاعفة عدد الزوّار ليبلغ 30 مليون سنويًا بحلول عام 2028. وتُبذل جهود مستمرة لتحقيق هذه الرؤية وتحسين جودة الخدمات السياحية المقدمة، بما يساهم في تحقيق الأهداف المرجوة. وللوصول إلى ذلك، تبرز أهمية إعداد كوادر بشرية مؤهلة بشكل كافٍ في مجالات الضيافة والسياحة وغيرها من المجالات المرتبطة.
وفي إطار هذا التوجه، تم تعزيز التعاون مع المتحف المصري الكبير من خلال تقديم برامج مشتركة مثل الشهادة المهنية للمرشدين السياحيين، وجارٍ العمل على توسيع نطاق البرامج المهنية المشتركة. كما يجري التحضير لإطلاق منصة إلكترونية تهدف إلى تعليم اللغة الإنجليزية للعاملين في قطاع السياحة والفندقة.
هناك شراكات مؤسسية مع جهات مختلفة مثل الاتحادات المهنية وجامعات محلية، كيف تساعد هذه الشراكات في توسيع نطاق خدمات التعليم المستمر؟
تلعب الشراكات المؤسسية دورًا محوريًا في توسيع نطاق خدمات التعليم المستمر، حيث تحرص كلية التعليم المستمر بـ الجامعة الأمريكية بالقاهرة على بناء تعاونات استراتيجية مع جهات أكاديمية ومهنية متنوعة، بما يضمن تقديم برامج متخصصة تواكب احتياجات سوق العمل. ويأتي في مقدمة هذه الشراكات التعاون مع جامعة عين شمس، ممثلًا في كلية الطب، لدمج العلوم الطبية مع مهارات القيادة والإدارة والابتكار والذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بما يسهم في إعداد أطباء قادرين على مواكبة التطورات العالمية، حيث يستفيد من هذا البرنامج سنويًا أكثر من 450 طالبًا وطالبة.
كما تمتد هذه الشراكات لتشمل التعاون مع نقابة الأطباء البيطريين لتطوير المهارات المهنية والشخصية للأطباء البيطريين، إلى جانب إطلاق شهادة تخصصية في سلامة الغذاء بالتعاون مع غرفة الصناعات الغذائية، بهدف رفع كفاءة العاملين في هذا القطاع الحيوي. وفي إطار دعم مجالات التجارة الدولية، أبرمت الكلية اتفاقية مع الاتحاد العربي للمخلصين الجمركيين لتقديم برامج تدريبية متخصصة، بما يعزز من تأهيل كوادر قادرة على التعامل مع متطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.
في ظل الخطة الوطنية للتنمية ورؤية مصر 2030، ما دور الكلية في تطوير القوى العاملة الوطنية، خصوصًا في المجالات الحيوية غير التقليدية كالسياحة والتراث والثقافة؟
رؤية 2030 تضع تنمية رأس المال البشري، الإصلاح الإداري، والتحول الرقمي كأسس مُسرّعة، وهو ما تتبناه الكلية في برامجها ومبادراتها في القطاعات الثقافية والسياحية، الشراكة مع GEM تُجسّد الربط بين حفظ التراث والتنمية الاقتصادية القائمة على المهارات، بما يعزز التنوع الاقتصادي وجودة التجربة السياحية.
ما الخطوات التي تتخذها الكلية لتصميم برامج تدريبية متقدمة تلائم احتياجات سوق العمل المتغيرة، وكيف يتم تحديد أولويات البرامج الجديدة؟
تعتمد كلية التعليم المستمر بـ الجامعة الأمريكية بالقاهرة منهجية متكاملة في تصميم البرامج التدريبية، تبدأ بتحديد الأهداف الرئيسية للبرنامج والغرض منه، إلى جانب دراسة احتياجات سوق العمل والفئة المستهدفة بدقة. ويلي ذلك صياغة نواتج تعلم واضحة وقابلة للقياس، بما يتماشى مع الأهداف الاستراتيجية، ثم تصميم هيكل البرنامج وتطوير محتواه العلمي، متضمنًا الأنشطة التطبيقية وأدوات التقييم التي تضمن تحقيق أقصى استفادة للمتدربين.

كما تحرص الكلية على اختيار مدربين من الخبراء الذين يمتلكون مهارات تدريبية وتواصل فعّالة، إلى جانب تنظيم الجوانب اللوجستية وتنفيذ البرامج بكفاءة. ولا يتوقف الأمر عند التنفيذ، بل يشمل تقييم الأثر من خلال قياس رضا المشاركين ومستوى التعلم والتغيير في السلوك، وصولًا إلى تحسين واستدامة البرامج عبر تحديث المحتوى وتطوير آليات التنفيذ، بما يضمن مواكبة المتغيرات المستمرة في سوق العمل.
ما دور الاعتماد الدولي الذي تتمتع به الكلية في تعزيز جودة برامجكم، وكيف يؤثر ذلك على جذب الدارسين من خارج مصر؟
الكلية معتمدة من IACET وتمنح CEUs وحدات (ساعات) التعلم المستمر وفق معيار ANSI/IACET؛ ما يعزّز الثقة الدولية وقابلية معادلة الساعات التطويرية لدى جهات مهنية حول العالم وهذا المعيار معروف لدى جهات ترخيص ومجالس مهنية عديدة وتبنّيه يُعد مؤشّر جودة متعارف عليه، ما يسهّل استقطاب المتعلمين من خارج مصر.
هل لدى الكلية خطة تستهدف الشباب الوافدين من الجامعات أو الخريجين الجدد لإعادة تأهيلهم مهنياً وتعزيز فرصهم في التوظيف؟
توفر الكلية برامج متنوعة تركز على تطوير المهارات العملية، مما يشكل أساسًا قويًا لإنشاء مسارات متخصصة لإعادة التأهيل تستهدف طلاب الجامعات والخريجين الجدد، وتربط بين المهارات الأساسية واحتياجات القطاعات المختلفة وتهيئ المتدربين لسوق العمل. إضافة إلى ذلك، تتيح الكلية منصة مجانية تساعد الشباب على تحسين مهاراتهم في اللغة الإنجليزية وتأهيلهم للدراسة الأكاديمية.
كيف تقيس الكلية الأثر الفعلي لبرامجها على قابلية توظيف الدارسين، وهل هناك مؤشرات أداء واضحة تعتمدونها؟
يتم تقييم الأثر باستخدام مجموعة من المؤشرات، تشمل استبيانات واستطلاعات موجهة للدارسين والجهات الشريكة، بالإضافة إلى متابعة أعداد الملتحقين بالبرامج المختلفة ورصد معدلات تكرار التسجيل فيها.
ما التحديات التي تواجه الكلية في تنفيذ خططها التوسعية، خاصة في مجالات مثل السياحة والتراث الثقافي والمهارات الرقمية؟ وكيف تتعاملون معها؟
تواجه كلية التعليم المستمر بـ الجامعة الأمريكية بالقاهرة عددًا من التحديات في تنفيذ خططها التوسعية، يأتي في مقدمتها فجوة المهارات الرقمية واللغوية لدى بعض الفئات المستهدفة، وهو ما تعمل الكلية على معالجته من خلال تقديم برامج تأهيلية متخصصة تساعد الدارسين على الوصول إلى المستوى المطلوب للالتحاق بالبرامج المهنية المختلفة. ومن أبرز هذه الجهود توفير دورات مجانية في اللغة الإنجليزية، خاصة للعاملين والراغبين في العمل بقطاعي السياحة والفندقة.

كما تشمل التحديات اتساع النطاق الجغرافي وصعوبة الوصول إلى مختلف الفئات، وهو ما تتعامل معه الكلية عبر تبني نماذج التعلم المدمج والتعليم عبر الإنترنت، بما يتيح الوصول إلى شريحة أكبر من المستفيدين. إلى جانب ذلك، يمثل تذبذب الطلب على بعض البرامج نتيجة لعوامل اقتصادية ومتغيرات السوق تحديًا إضافيًا، وتواجهه الكلية من خلال طرح برامج قصيرة ومرنة وبأسعار مناسبة، بما يضمن استمرارية الإقبال وتحقيق الاستفادة القصوى للدارسين.
أخيرًا، ما هي أبرز الخطط المستقبلية التي تطمح لها الكلية في السنوات الثلاث المقبلة، سواء في التوسع الجغرافي أو إطلاق برامج جديدة تدعم الاحتياجات المتغيرة لسوق العمل المصري والدولي؟
تعتمد الكلية خطة توسعية طموحة للأعوام المقبلة تشمل بدء نشاطها في مبنى العاصمة الإدارية وتشغيل المبنى الجديد بالحرم الجامعي في القاهرة الجديدة اعتبارًا من العام الأكاديمي ٢٠٢٧/٢٠٢٨. كما تواصل الكلية تقديم برامج حديثة ومتطورة تتوافق مع متطلبات سوق العمل، حيث تشمل البرامج الجديدة تخصصات في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بالإضافة إلى تطوير برامج في ريادة الأعمال.
إلى جانب ذلك، تسعى الكلية إلى التوسع في البرامج المقدمة عبر الإنترنت بهدف الوصول إلى مختلف مناطق الجمهورية واستقطاب دارسين من خارج مصر، وسيتم تحقيق ذلك عبر تطوير المنصات التعليمية التفاعلية للكلية وتوفير محتوى رقمي عالي الجودة يدعم الدارسين في المناطق النائية وخارج مصر.
حدثنا عن تفاصيل التوسع داخل الحرم الجديد بالتجمع الخامس؟
أصبح استكمال التعليم الجامعي بالتطوير المستمر للمهارات ضرورة ملحة في المرحلة الراهنة، ومن هذا المنطلق يأتي دور مركز التعليم المستمر، الذي يسعى إلى تقديم برامج تدريبية مرنة ومتخصصة تلبي الاحتياجات المتغيرة في مصر والمنطقة، وتدعم ثقافة التعلم مدى الحياة. ويعمل المركز، من خلال التعاون مع مؤسسات الدولة وقطاع الأعمال، على تصميم برامج تستهدف رفع كفاءة الكوادر البشرية، وتعزيز جاهزية القوى العاملة لمتطلبات سوق العمل في ظل الاقتصاد الحديث.
