د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة
أثار تداول معلومة بشأن أعداد المقبولين بكلية طب قصر العيني جدلًا واسعًا حول التحاق الطلاب الوافدين بالجامعات المصرية، وذلك بعدما أعلن أحد الأساتذة المصريين البارزين المنتمين لجامعة هارفارد الأمريكية على صفحته الشخصية عن قبول الكلية 480 طالبًا مصريًا من الحاصلين على الثانوية العامة، مقابل 1056 طالبًا من الحاصلين على الثانوية السعودية، وقد فُسرها البعض بشكل خاطىء على نحو أوحى بأن الكلية قبلت من أبناء المملكة العربية السعودية العزيزة أكثر من ضعف عدد الطلاب المصريين، وهو ما أدى إلى استنتاجات غير دقيقة بشأن طبيعة قبول الطلاب الوافدين وعلاقته بفرص التحاق المصريين بالجامعات الحكومية.
أود في البداية أن أؤكد على أن الطالب الوافد لا يحصل على مقعد مخصص للطالب المصري، ولا يمكن للدولة أن تسمح بذلك، فقبوله في الجامعات المصرية لا يمثل خصمًا من فرص الطلاب المصريين في الالتحاق بالجامعات الحكومية. ويؤكد على ذلك القواعد والآليات المنظمة للقبول في الجامعات، حيث يلتحق الطالب المصري بالجامعات الحكومية من خلال مكتب التنسيق، وفقًا للأعداد والقواعد التي تقررها الدولة.
أما الطلاب الوافدون، فيخضع قبولهم لمنظومة مستقلة تنظم التحاقهم بالجامعات المصرية بعد تحديد أعداد الطلاب من مصر سواء الحاصلين على الثانوية العامة المصرية أو المعادلة من الشهادات الأجنبية أو العربية. ومن ثم، فإن المقارنة بين أعداد المقبولين من فئات مختلفة، دون التمييز بين نظم القبول المعمول بها لكل فئة، قد تؤدي إلى استنتاجات خاطئة لا تعكس الواقع الفعلي.
وتوضح الأرقام والإحصاءات أن التوسع في استقطاب الطلاب الوافدين خلال السنوات الماضية لم يكن على حساب أعداد الطلاب المصريين؛ حيث ارتفعت أعداد الملتحقين من المصريين بالتوازي مع زيادة أعداد الحاصلين على الثانوية العامة، ومن الضروري ونحن نناقش هذا الملف أن نميز بين عدد الطلاب الحاصلين على شهادة ثانوية من دولة معينة، وعدد الطلاب الذين يحملون جنسية تلك الدولة فعلًا؛ فلا يجوز التعامل معهما باعتبارهما شيئًا واحدًا.
المؤشرات العامة الواردة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تؤكد أن نسبة الطلاب الوافدين في الجامعات المصرية هي نحو 5-6% من إجمالي يقارب أربعة ملايين طالب، في حين أن نسبة الطلاب الدوليين في العديد من دول العالم ترتفع إلى مستويات أكبر من ذلك بكثير.
في دولة مثل أستراليا تصل نسبة الطلاب الدوليين إلى ما يقرب من 30% من إجمالي الطلاب، حيث تستهدف معظم الدول تعزيز حضورها التعليمي على المستوى العالمي عن طريق جذب الطلاب الدوليين باعتبارهم أحد مكونات التعدد الثقافي والانفتاح الأكاديمي ومصدر هام من مصادر القيمة المضافة للاقتصاد والمجتمع.

في جامعة القاهرة، التي يزيد عدد طلابها على ربع مليون طالب، تبلغ نسبة الوافدين نحو 11%، مع وجود تفاوت ملحوظ بين الكليات والتخصصات بطبيعة الحال؛ حيث ترتفع في كلية طب قصر العيني إلى مستويات تقترب من 30%، بينما تنخفض إلى الصفر في بعض الكليات، وهذا التفاوت الطبيعي يعكس اختلاف جاذبية التخصصات والبرامج التعليمية للطلاب من خارج مصر.
وتقدم الجامعات العالمية أمثلة واضحة على هذا التفاوت؛ فنسبة الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة ككل حوالي 6% بينما نسبتهم في جامعات دولية مرموقة مثل هارفارد هي 27%، فهي جامعة ذات سمعة أكاديمية مرتفعة تستطيع أن تستقطب نسبة مرتفعة منهم ولا غضاضة في ذلك. ومن الطبيعي أن تحظى مؤسسات مصرية عريقة، مثل طب قصر العيني، بإقبال إقليمي ودولي مماثل في نطاق تخصصاتها.
وقد يتساءل البعض عن سر الاهتمام بجذب الطلاب الوافدين إلى الجامعات، وهل الأولى أن تُوجَّه الجهود والإمكانات المتاحة إلى الطلاب المحليين فقط، على الرغم من التأكيد الدائم بأن الطالب الوافد لا يؤثر على فرص الطالب المصري في التعليم؟
في الحقيقة كل دول العالم بلا استثناء تسعى إلى استقطاب الطلاب الوافدين، حيث إنه ليس ترفًا مؤسسيًا، وإنما يمثل ملف هام لتحقيق مصالح الدولة. في عالم اليوم أصبح هذا الملف أحد الملفات الاستراتيجية للتعليم العالي، لأنه يرتبط بأبعاد أكاديمية واقتصادية وثقافية وسياسية. ويمكن تحديد أهم أوجه الاستفادة من الطلاب الوافدين في ثلاثة أوجه رئيسية من بين عدة أوجه وهي:
أولًا زيادة أعداد الطلاب الدوليين هو أحد مصادر القوة الناعمة المصرية، حيث يمثل هؤلاء الطلاب جسورًا إنسانية وثقافية بين مصر ودول العالم. فالطالب الذي يعيش سنوات دراسته في مصر، ويتعامل مع جامعاتها ومؤسساتها ومجتمعها، يحمل معه عند عودته خبرات وذكريات وانطباعات قد تمتد آثارها لعقود.

وقد يصبح خريج الجامعة المصرية أستاذًا أو طبيبًا أو رائد أعمال أو مسؤولًا سياسيًا بارزًا في بلاده أو المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، وهو ما يفتح آفاقًا للتعاون العلمي والاقتصادي والمؤسسي بين مصر والدول التي ينتمي إليها.
هل تعلم عزيزي القارىء أن عمدة طوكيو السيدة يوريكو كويكي هي خريجة كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأنها دائما ما تعلن عن ذلك في أي مكان تتواجد فيه وبكل فخر، وتسعى دائما إلى تعزيز أواصر التعاون بين جامعات اليابان وجامعة القاهرة، هل تعلم أن أحد أسباب ارتفاع ترتيب جامعة القاهرة في التصنيفات الدولية هو أن أحد خريجيها الذين حصلوا على جائزة نوبل للسلام الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي تخرج في كلية الهندسة بالجامعة والذي كان طالبًا وافدًا بها.
كما أن تعزيز هذا الملف مع الدول الإفريقية يكتسب أهمية خاصة، ويعيد ريادة مصر إفريقيا مع الدول التي تربطها بمصر علاقات تاريخية وإنسانية عميقة. فملف العلاقات الثقافية هو أحد أكثر المسارات استدامة لتعزيز هذه الروابط، وتكوين أجيال من الخريجين الذين تجمعهم بمصر خبرة مشتركة وعلاقات علمية ومهنية ممتدة.
أما الوجه الثاني لأهمية هذا الملف فيكمن في مسألة دعم الاقتصاد الوطني وتوفير العملة الأجنبية، فلا تقتصر القيمة الاقتصادية للطالب الوافد على المصروفات الدراسية التي يسددها للجامعة؛ إذ تشمل أيضًا نفقات الإقامة والغذاء والنقل والاتصالات والخدمات المختلفة، فضلًا عن إنفاق أسرته خلال الزيارات.
وتمثل هذه النفقات تدفقات اقتصادية يستفيد منها عدد كبير من القطاعات، من التعليم والسكن إلى النقل والتجارة والخدمات، كما أن الجامعات تستفيد من هذا المورد الاقتصادي الهام في تطوير العملية التعليمية والبنية التحتية من معامل وقاعات دراسية، وبذلك يسهم ملف الطلاب الوافدين في تنويع مصادر الدخل، وتوفير موارد من النقد الأجنبي، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. وكلما ارتفعت جودة البرامج التعليمية والخدمات الجامعية، وتحسنت القدرة على المنافسة الدولية، زادت فرص الاستفادة من هذا المورد الاقتصادي.
الوجه الثالث للأهمية هو تعزيز المكانة الأكاديمية والتنافسية الدولية للجامعات المصرية، حيث إن عدد الطلاب الدوليين هو أحد معايير بعض التصنيفات الجامعية العالمية، وإن اختلف وزن هذا المؤشر من تصنيف إلى آخر، ومن ثم، فإن استقطاب الطلاب الوافدين يمثل أحد عناصر استراتيجية تدويل التعليم العالي، إلى جانب النشر الدولي، والشراكات البحثية، والبرامج المشتركة، واستقطاب الباحثين وأعضاء هيئة التدريس من مختلف دول العالم.
وإدراكًا لأهمية هذا الملف، شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا باستقطاب الطلاب الوافدين، من خلال مبادرات من بينها منصة «ادرس في مصر»، التي تستهدف التعريف بالبرامج التعليمية المصرية وتيسير إجراءات التقدم والالتحاق بها، إلى جانب العمل على تطوير الخدمات المقدمة للطلاب الدوليين وتحسين تجربتهم التعليمية والمعيشية.
وتضم جامعة القاهرة وحدها ما يقرب من 30 ألف طالب وافد من بين أكثر من ربع مليون طالب مقيد بها، وهو ما يعكس حجم الإقبال على الدراسة بها ومكانتها لدى الطلاب من الدول المختلفة، ويقتضي الحفاظ على هذا الإقبال مواصلة تطوير الخدمات، وتيسير الإجراءات، وتقديم برامج تعليمية تنافسية، مع الاهتمام بالإرشاد الأكاديمي والدعم الطلابي وتوفير بيئة جامعية آمنة وجاذبة.
وقد يثير البعض مسألة المنح الدراسية التي يحصل عليها بعض الطلاب الوافدين، أو تأخر بعضهم في سداد المصروفات، ولا سيما الطلاب القادمين من دول شهدت صراعات واضطرابات خلال السنوات الماضية. ومن المهم التعامل مع هذه المسألة بموضوعية، والتمييز بين الطلاب الذين يسددون نفقات دراستهم كاملة، والطلاب المستفيدين من منح أو برامج دعم، والحالات التي تستدعي ترتيبات استثنائية للسداد.
فالمنح الدراسية ليست استثناءً مصريًا، بل أداة تستخدمها الجامعات والدول لتعزيز التعاون الدولي ودعم الطلاب المتميزين وبناء العلاقات طويلة الأمد. كما أن مساعدة الطلاب الذين تفرض عليهم ظروف استثنائية صعوبات مالية تجسد جانبًا من الدور الإنساني لمصر، التي استقبلت على مر تاريخها أعدادًا كبيرة من الأشقاء الذين لجأوا إليها بحثًا عن الأمان أو العلاج أو التعليم.
وبطبيعة الحال، يتم إدارة المنح والتسهيلات المالية وفق قواعد واضحة تضمن الشفافية وحسن استخدام الموارد، وتحافظ في الوقت نفسه على البعد الإنساني الذي يميز التجربة المصرية، وفي حال تأخر طالب في سداد المصروفات دون أي عذر مقبول يتم توجيه عدة إنذارات له قبل أن يتم فصله إذا لم يلتزم بدفع المصروفات.
في النهاية أؤكد أن مصر عبر تاريخها كانت مركزًا للعلم والثقافة، ووجهة لطلاب المعرفة من مختلف أنحاء العالم، ولم تثار مسألة استقطاب الطلاب الدوليين لمؤسساتنا التعليمية بكل هذا الجدل في يوم من الأيام، الكثير من علماء العالم الإسلامي من كافة الجنسيات تعلموا في الأزهر الشريف خلال مئات السنين، ولم يكن ذلك خصمًا من فرص المصريين في التعلم بل كان رصيدًا إيجابيًا في مكانة مصر في العالم الإسلامي.
والحفاظ على هذه المكانة يتطلب رؤية تجمع بين تطوير التعليم المصري، وصون فرص أبنائنا، والانفتاح على العالم، وتعظيم العائد الأكاديمي والاقتصادي والإنساني من استضافة الطلاب الوافدين، وهي الرؤية التي تحرص عليها الجامعات والدولة المصرية.
الطالب الوافد ليس منافسًا للطالب المصري على مقاعد الجامعات، بل هو شريكًا في تطوير الجامعة، وجسرًا للتواصل مع العالم، ومصدرًا للقيمة المضافة للاقتصاد الوطني. والتحدي الحقيقي ليس في الاختيار بين أبنائنا والطلاب الوافدين، وإنما في بناء جامعة مصرية قادرة على تقديم تعليم متميز للجميع، وتعزيز مكانة مصر العلمية.

