من «مقبول» بهندسة القاهرة إلى جائزة NIH.. رحلة نجاح بدأت من الصفر
العالم محمد أمين: جائزة NIH تقدير لمساهماتي في الذكاء الاصطناعي واكتشاف الأدوية
كيف يوظف الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالأدوية واستهداف طفرات السرطان؟
الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الطبيب.. لكنه يسرّع رحلة اكتشاف العلاج
«لا نريد تنبؤات فقط».. عالم مصري يشرح أهمية الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير
من الهندسة إلى الفيزياء ثم الأحياء الحسابية.. كيف تشكلت الرحلة العلمية؟
– «بفتقد المحشي والأهل والأصحاب».. الوجه الإنساني للعالم محمد أمين بعيدًا عن المعامل
– من عربة «الهوت دوج» في نيويورك إلى المؤسسات البحثية العالمية.. محطات لا تُنسى
من تقدير جامعي «مقبول» بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، إلى العمل في مؤسسات بحثية عالمية، ثم الحصول على جائزة FY26 Special Act Award من المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية (NIH)، خاض الدكتور محمد أمين رحلة علمية وإنسانية استثنائية، لم تكن بدايتها ممهدة للنجاح، لكنها صنعت باحثًا استطاع أن يحول شغفه بالعلم إلى مسار عالمي في الذكاء الاصطناعي والأحياء الحسابية واكتشاف الأدوية.
من «مقبول» بهندسة القاهرة إلى جائزة NIH الأمريكية.. العالم محمد أمين يكشف لـ«في الجامعة» رحلة الهوت دوج والذكاء الاصطناعي واكتشاف الأدوية
وفي حوار خاص مع «في الجامعة»، يكشف الدكتور محمد أمين تفاصيل رحلته من مصر إلى الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا، وكيف انتقل من دراسة هندسة الاتصالات إلى الفيزياء ثم التخصص في الذكاء الاصطناعي والأحياء الحسابية، كما يتحدث عن أبرز أبحاثه في توظيف الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأدوية، ورؤيته لمستقبل البحث العلمي، وما تحتاجه مصر لتصبح جزءًا فاعلًا من الثورة العلمية والتكنولوجية المقبلة.
وبعيدًا عن المعامل والأبحاث والجوائز، يروي أمين جانبًا آخر من حياته، فيتحدث عن سنوات الغربة، والبدايات الصعبة التي دفعته للعمل على عربة لبيع «الهوت دوج» بالتزامن مع دراسته، وما الذي لا يزال يفتقده في مصر، من الأهل والأصدقاء إلى المحشي ودفء الشتاء والبحر الأحمر، في حوار يجمع بين قصة نجاح علمية لافتة وتفاصيل إنسانية تكشف الوجه الآخر لعالم قضى سنوات من حياته بحثًا عن العلم والفرصة.
1- في البداية.. ماذا تمثل لكم جائزة FY26 Special Act Award من المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية، وما الذي استند إليه اختياركم للحصول عليها؟
هذه الجائزة تمثل لي تقديرًا مهمًا جدًا للجهد العلمي الذي بذلناه في مجال الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في البحث الطبي والحيوي داخل المعاهد الوطنية للصحة. وقد جاء التكريم تقديرًا لمساهماتي في تطوير أبحاث الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، خاصة في مجال اكتشاف الأدوية، وكذلك في دعم الباحثين والطلاب وتطوير التعاون العلمي.
وأعتقد أن أهم ما يميز هذه الجائزة بالنسبة لي هو أنها جاءت في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من الرؤية المستقبلية للـNIH، ولذلك أعتبرها تقديرًا للبحث الذي قمنا به، وتشجيعًا على الاستمرار في هذا الاتجاه.
2- ما أبرز الأبحاث أو المشروعات التي ترون أنها أسهمت في حصولكم على هذا التكريم؟
من أهم المحاور استخدام الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في اكتشاف الأدوية. في أحد مشروعاتنا استخدمنا نماذج تعلم آلي للمساعدة في تحديد مركبات يمكن أن تستهدف طفرات معينة في بروتين KRAS، وهو بروتين مرتبط بعدد من أنواع السرطان.
ولدينا أيضًا أبحاث تستخدم الذكاء الاصطناعي لفهم خصائص البروتينات والمركبات على المستوى الجزيئي، بما يساعدنا ليس فقط على التنبؤ، ولكن أيضًا على فهم الأسباب التي تقف وراء هذه التنبؤات. ومن أحدث أعمالنا دراسة تعتمد على نماذج تعلم آلي لتوقع نشاط الأدوية تجاه أهداف بروتينية، وأبحاث أخرى على بروتينات الحديد والكبريت.
3-حضرتك بتعمل في مجال يجمع بين الذكاء الاصطناعي والأحياء الحسابية.. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغير مستقبل اكتشاف الأمراض وتشخيصها وعلاجها؟
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعدنا في التعامل مع كميات هائلة من البيانات الطبية والبيولوجية التي يصعب على الإنسان تحليلها وحده. يمكنه اكتشاف أنماط، والتنبؤ بعلاقات جديدة، وتحديد المرشحين الأكثر أهمية للدراسة.
وفي اكتشاف الأدوية مثلًا، يمكن أن يساعدنا على تضييق عدد هائل من المركبات إلى مجموعة صغيرة تستحق الاختبار في المختبر. هو لا يستبدل الطبيب أو الباحث ولا يستبدل التجارب المعملية، لكنه يجعل عملية البحث أكثر سرعة وكفاءة.

4- إلى أي مدى أصبح الذكاء الاصطناعي أداة أساسية في الأبحاث الطبية والبيولوجية، وليس مجرد تقنية مساعدة؟
أصبح بالفعل أداة أساسية في كثير من المجالات، خاصة مع الزيادة الهائلة في حجم البيانات. لكنني أعتقد أن قيمته الحقيقية تظهر عندما يكون جزءًا من منظومة علمية كاملة، وليس عندما نستخدمه لمجرد استخدام التكنولوجيا.
أفضل النتائج تأتي عندما نجمع بين الذكاء الاصطناعي والمعرفة العلمية، سواء كانت في الفيزياء أو الكيمياء أو البيولوجيا أو الطب. وهذا هو الاتجاه الذي أعمل عليه في أبحاثي.
5- ما أبرز التطبيقات التي تعملون عليها حاليًا في مجال الأحياء الحسابية والذكاء الاصطناعي داخل المعاهد الوطنية للصحة؟
أركز بشكل رئيسي على استخدام الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة لفهم الأنظمة الجزيئية وتطوير أدوات يمكن أن تساعد في اكتشاف الأدوية. من الأمثلة على ذلك التنبؤ بنشاط المركبات الدوائية تجاه أهداف بروتينية، واستخدام نماذج تعتمد على البنية والخصائص الفيزيائية والكيميائية للجزيئات.
كما نعمل على نماذج قابلة للتفسير لدراسة البروتينات، بحيث لا يكون الهدف فقط الحصول على تنبؤ، وإنما أيضًا فهم العوامل الجزيئية التي تقود إلى هذا التنبؤ. وهذا الاتجاه واضح في عدد من أبحاثي الحديثة في تعلم الآلة والبيوفيزياء الحسابية.
6- مع التطور السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي.. هل نحن أمام ثورة حقيقية في مجال اكتشاف الأدوية وتطوير العلاجات الجديدة؟
أعتقد أننا أمام تحول كبير بالفعل، لكن من المهم أن نكون واقعيين. الذكاء الاصطناعي لن ينتج دواءً جديدًا بمفرده بين عشية وضحاها، وما يفعله هو أنه يمكن أن يغير طريقة البحث نفسها؛ نستطيع استخدامه لتحليل عدد هائل من الاحتمالات، وتحديد المركبات الأكثر وعدًا، وفهم التفاعلات الجزيئية بصورة أسرع. وهذا يمكن أن يوفر وقتًا وموارد كبيرة، لكن النتائج التي يرشحها الذكاء الاصطناعي يجب أن تمر بعد ذلك بالتجارب والتحقق العلمي.
7- ما أصعب التحديات العلمية التي تواجه استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي والبيولوجي، خاصة فيما يتعلق بدقة البيانات وموثوقية النتائج؟
أكبر التحديات في رأيي هي جودة البيانات، وتنوعها، وقابلية تفسير النتائج. إذا كانت البيانات غير دقيقة أو غير ممثلة للواقع، فإن النموذج قد يعطي نتائج تبدو جيدة حسابيًا لكنها غير مفيدة عمليًا.
ولهذا أنا مهتم بشكل خاص بالذكاء الاصطناعي القابل للتفسير. نحن لا نريد فقط أن نعرف أن النموذج يتنبأ بشكل جيد، بل نريد أيضًا أن نفهم لماذا وصل إلى هذه النتيجة، وهل يمكن اختبارها علميًا.
8- انتقلت من دراسة الهندسة في جامعة القاهرة إلى الحصول على الدكتوراه في الفيزياء ثم التخصص في الذكاء الاصطناعي والأحياء الحسابية.. كيف تشكلت هذه الرحلة العلمية؟
كانت رحلة لم أخطط لها بالكامل منذ البداية، درست الهندسة في جامعة القاهرة، ثم انتقلت إلى دراسة الفيزياء في الولايات المتحدة للحصول على الماجستير والدكتوراه.
ومع الوقت، وجدت أن المجال الذي يجمع بين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والحوسبة يناسبني جدًا. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبح من الطبيعي بالنسبة لي أن أستخدم هذه الأدوات للإجابة عن أسئلة بيولوجية وطبية معقدة.
بمعنى آخر، لم أترك الفيزياء عندما دخلت مجال الذكاء الاصطناعي، وإنما حاولت أن أبني فوقها.
9- ما الذي أضافته لكم دراسة الهندسة والفيزياء في بناء مسيرتكم الحالية في الذكاء الاصطناعي والأبحاث الطبية؟
الهندسة أعطتني طريقة تفكير عملية لحل المشكلات، بينما أعطتني الفيزياء أساسًا قويًا في التفكير الكمي وفهم الأنظمة المعقدة، وهذا مفيد جدًا في الذكاء الاصطناعي والبيوفيزياء؛ لأنني لا أتعامل مع البيانات باعتبارها أرقامًا فقط، وإنما أحاول ربطها بالقوانين والخصائص الفيزيائية والكيميائية التي تحكم النظام البيولوجي.
10- من خلال تجربتكم في مصر والولايات المتحدة وألمانيا وهولندا.. ما الفارق الأبرز الذي وجدتموه في بيئة البحث العلمي ودعم الباحثين؟
أعتقد أن أحد أهم الفروق هو ثقافة التعاون والعمل الجماعي. كثير من المشروعات العلمية الكبيرة تعتمد على فرق تجمع بين تخصصات مختلفة، وهناك تقدير كبير لتبادل الخبرات والأفكار.
كذلك فإن التواصل المستمر مع المجتمع العلمي الدولي، سواء من خلال المؤتمرات أو التعاون المباشر، يساعد الباحث على معرفة أين يتجه المجال وما هي الأسئلة العلمية المهمة، ولكن في المقابل، أعتقد أن الباحث المصري يمتلك قدرات كبيرة جدًا، وما يحتاج إليه في كثير من الأحيان هو البيئة والفرصة والموارد المناسبة.
11- كيف ترى مستوى الباحثين والطلاب المصريين في مجالات الذكاء الاصطناعي والعلوم الحديثة مقارنة بنظرائهم في الجامعات والمؤسسات البحثية العالمية؟
أنا شخصيًا متفائل جدًا بالباحثين والطلاب المصريين. أرى أن هناك مواهب قوية جدًا وقدرة حقيقية على المنافسة عالميًا، والتحدي ليس دائمًا في مستوى الشخص نفسه، وإنما في توفير فرص التدريب، والوصول إلى البيانات والأجهزة والموارد الحاسوبية، وإتاحة التعاون الدولي بشكل أكبر، وعندما تتوافر هذه العناصر، أعتقد أن الباحث المصري قادر على المنافسة على أعلى مستوى.

12- ما الذي تحتاجه مصر حتى تتمكن من تحويل الكفاءات الشابة في الذكاء الاصطناعي إلى قوة حقيقية تدعم الاقتصاد والبحث العلمي؟
أعتقد أننا نحتاج إلى ثلاثة أشياء أساسية: التعليم الجيد، والبنية التحتية، والتعاون، ونحتاج إلى تدريب قوي في الرياضيات والبرمجة والعلوم، وإلى موارد حوسبية وبيانات يمكن للباحثين استخدامها، وإلى روابط أقوى بين الجامعات ومراكز البحث والصناعة.
والأهم هو أن نخلق بيئة تسمح للشباب بتحويل أفكارهم إلى مشروعات وأبحاث وتطبيقات حقيقية.
13- هل ترى أن المناهج الجامعية الحالية في مصر تواكب السرعة الكبيرة في تطور الذكاء الاصطناعي، أم أنها تحتاج إلى إعادة صياغة؟
أعتقد أن التعليم يحتاج إلى التطوير المستمر لأن الذكاء الاصطناعي يتغير بسرعة كبيرة. لكن المسألة ليست فقط إضافة مادة اسمها “الذكاء الاصطناعي”.
الأهم هو أن يتعلم الطالب أساسيات قوية في الرياضيات، والإحصاء، والبرمجة، والتفكير العلمي، ثم يتعلم كيف يطبق هذه المعرفة على مشكلات حقيقية.
نحن لا نريد أن نخرج طلابًا يعرفون استخدام أدوات معينة فقط، بل نريد علماء ومهندسين قادرين على فهم التكنولوجيا وتطويرها.
14- ما النصيحة التي توجهها لطلاب الهندسة والعلوم والطب الذين يرغبون في بناء مسار مهني عالمي في الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي؟
أنصحهم ألا يخافوا من التخصصات الجديدة، وألا يعتقدوا أنهم يجب أن يكونوا خبراء في الذكاء الاصطناعي قبل أن يبدأوا.
ابدأ بالمشكلة التي تحبها وتفهمها، ثم تعلم الأدوات التي تساعدك على حلها. وفي الوقت نفسه، اهتم جدًا بأساسيات الرياضيات والبرمجة والعلوم، وطور لغتك الإنجليزية، واقرأ الأبحاث الحديثة، وشارك في المؤتمرات وابحث عن فرص للتعاون الدولي.
والأهم: لا تحاول فقط أن تستخدم التكنولوجيا التي صنعها الآخرون، بل حاول أن تصبح شخصًا قادرًا على تطويرها.
15- وأخيرًا.. أين ترى مستقبل الذكاء الاصطناعي والأحياء الحسابية خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، وما الدور الذي تتمنى أن تؤديه مصر في هذه الثورة العلمية؟
أعتقد أننا سنشهد خلال السنوات المقبلة اندماجًا أكبر بكثير بين الذكاء الاصطناعي والعلوم الطبيعية والطب. سنستخدم AI ليس فقط لتحليل البيانات، ولكن للمساعدة في تصميم التجارب، واكتشاف الجزيئات، وفهم الأمراض، وتطوير علاجات جديدة.
وأتمنى أن تكون مصر جزءًا من هذه الموجة، ليس فقط كمستخدم للتكنولوجيا، ولكن كمساهم في تطويرها.
ومصر لديها عدد كبير جدًا من الشباب الموهوبين، وإذا استطعنا أن نوفر لهم التعليم الجيد، والبنية التحتية، والبيانات، وفرص التعاون الدولي، فأعتقد أن مصر تستطيع أن تكون لاعبًا حقيقيًا في مجال الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي على المستوى العالمي.
وأعتقد أن أهم استثمار يمكن أن نقوم به هو الاستثمار في الإنسان؛ لأن التكنولوجيا تتغير، لكن العقول القادرة على ابتكارها هي التي تصنع المستقبل.
«دفا الشتا والأهل والأصحاب».. تفاصيل لا تغيب عن ذاكرة العالم محمد أمين
وبعيدًا عن مسيرته العلمية وأبحاثه في الذكاء الاصطناعي، حرص «في الجامعة» على الاقتراب من الجانب الإنساني في حياة العالم محمد أمين، والتعرف على تفاصيل الغربة وذكرياته في مصر، والأشياء التي لا تزال حاضرة في يومياته رغم سنوات العمل والدراسة خارج البلاد.
«بفتقد المحشي، وأكتر حاجة في مصر بتوحشني الأهل والأصحاب ودفا الشتا، وبحب الغردقة والبحر الأحمر».. بهذه الكلمات تحدث الدكتور محمد أمين، العالم المتخصص في الذكاء الاصطناعي والأحياء الحسابية بالمعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية (NIH)، عن الجانب الإنساني من حياته بعيدًا عن المعامل والأبحاث والإنجازات العلمية.
ورغم سنوات الغربة التي قضاها بين الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا، ظل ارتباط العالم محمد أمين بمصر حاضرًا في تفاصيل حياته، مؤكدًا أن الأهل والأصدقاء وذكريات الشتاء والأكلات المصرية، وفي مقدمتها المحشي، من أكثر الأمور التي يفتقدها خلال سنوات عمله خارج البلاد.
