المجموع لم يعد كلمة السر في الثانوية العامة 2026.. أكد الدكتور قياتي عاشور، مدرس علم الاجتماع بجامعة بني سويف، أن الحديث عن انتهاء عصر “بعبع الثانوية العامة” بشكل كامل لا يزال غير دقيق، رغم ما شهدته الدولة المصرية من توسع كبير في منظومة التعليم العالي خلال السنوات الأخيرة.
«المجموع لم يعد كلمة السر في الثانوية العامة 2026».. مدرس علم اجتماع يوضح معايير النجاح الجديدة
أوضح قياتي، أن هذا التوسع، من خلال إنشاء الجامعات الأهلية والتكنولوجية والخاصة واستحداث تخصصات جديدة، ساهم بالفعل في تفكيك جزء كبير من البنية التقليدية التي كانت تجعل الثانوية العامة “بوابة وحيدة” للمستقبل، لكنه لم يقضِ بشكل كامل على القلق المجتمعي المرتبط بها.
أشار مدرس علم الاجتماع بجامعة بني سويف، إلى أن ما يحدث يمكن تفسيره من منظور سوسيولوجي على أنه “هوة ثقافية” بين تطور البنية المؤسسية وسرعة تغيرها، وبين بطء تحول الوعي الجمعي، حيث لا تزال بعض الأسر تتعامل بثقافة الندرة القديمة، التي كانت ترى أن النجاح محصور في عدد محدود من الكليات والتخصصات ذات المجاميع المرتفعة، رغم أن الواقع الحالي أصبح أكثر تنوعًا ومرونة.

وحول سؤال ما إذا كان المجموع ما زال كلمة السر الوحيدة للنجاح، أوضح أن المجموع المرتفع لم يعد “تأشيرة مرور مطلقة” للمستقبل كما كان في السابق، بل أصبح مجرد خطوة ضمن مسار تعليمي أوسع، مضيفاّ أن سوق العمل المعاصر لم يعد يعتمد فقط على الشهادات أو الدرجات، بل تحول إلى ما يُعرف بـ”اقتصاد المهارات”، حيث أصبحت القدرة على التعلم المستمر، والتكيف، وحل المشكلات، والمهارات الرقمية، والذكاء العاطفي، عناصر أساسية في تحديد فرص النجاح المهني.
المجموع لم يعد كلمة السر في الثانوية العامة
أكد قياتي أن، امتلاك الطالب لمهارات حقيقية وقدرات تطبيقية، حتى مع حصوله على مجموع متوسط، قد يجعله أكثر تنافسية من طالب آخر حصل على درجات مرتفعة دون امتلاك أدوات سوق العمل الحديثة، وهو ما يعكس التحول الكبير في طبيعة الوظائف ومتطلبات التوظيف.
وفيما يتعلق باستمرار تعامل بعض الأسر مع الثانوية العامة 2026 باعتبارها معركة مصيرية، أوضح الدكتور قياتي عاشور أن هذا السلوك يرتبط بجذور اجتماعية ونفسية عميقة، أهمها ما يُعرف بـ”وهم الوجاهة الاجتماعية”، حيث ما زالت بعض الأسر تنظر إلى كليات القمة باعتبارها رمزًا للمكانة الاجتماعية والنجاح الأسري.
أضاف مدرس علم الاجتماع بجامعة بني سويف، أن هناك أيضًا “ذاكرة مجتمعية متوارثة” تجعل الثانوية العامة مرتبطة تاريخيًا بمسار الصعود الاجتماعي والاقتصادي، مما يخلق حالة من القلق المبالغ فيه لدى الأسر والطلاب على حد سواء.
وأشار إلى أن بعض أولياء الأمور يتعاملون مع مسار الأبناء التعليمي باعتباره مشروعًا لتحقيق طموحات لم تتحقق في الماضي، وهو ما يضيف ضغوطًا نفسية كبيرة على الطلاب، ويجعل الأسرة في حالة توتر مستمر خلال فترة الامتحانات، رغم تعدد البدائل التعليمية المتاحة حاليًا.

وفيما يخص إعادة تعريف مفهوم النجاح بعيدًا عن أرقام التنسيق والمجاميع، شدد أستاذ علم الاجتماع على أن المجتمع بحاجة إلى تحرك عاجل نحو تبني مفهوم “النجاح التعددي”، الذي يعترف بتنوع القدرات والميول الإنسانية.
أوضح أن اختزال النجاح في نسبة مئوية أو مجموع درجات يمثل خللًا تربويًا وسوسيولوجيًا، لأنه لا يعكس قدرات الطالب الحقيقية أو إبداعه أو قدرته على التفاعل مع الحياة العملية، مضيفاّ أن النجاح الحقيقي لم يعد مرتبطًا بمسار واحد، بل أصبح قائمًا على اكتشاف الشغف وتوظيف القدرات في المجالات المختلفة، سواء الأكاديمية أو المهنية أو الفنية، مشيرًا إلى أهمية النظر إلى الإنسان كقيمة إنتاجية وإبداعية وليس مجرد رقم في منظومة التنسيق.
وفي ختام حديثه، وجه الدكتور قياتي عاشور رسالة إلى طلاب الثانوية العامة قبل دخول لجان الامتحانات، أكد فيها أن قيمة الإنسان لا تُقاس بورقة امتحان أو درجة دراسية، بل بقدرته على الاجتهاد وبناء ذاته.
وقال إن الثانوية العامة 2026 ليست نهاية الطريق، وإنما محطة انتقالية في رحلة الحياة، داعيًا الطلاب إلى دخول الامتحان بهدوء وثقة، والاهتمام بصحتهم النفسية، وعدم الانشغال بالمقارنات، لأن المستقبل الحقيقي يعتمد على الإرادة والمرونة والقدرة على التعلم المستمر، وليس على نتيجة امتحان واحد فقط.
