يشهد ملف خريجي كليات طب الأسنان اهتمامًا متزايدًا، في ظل استمرار الجدل حول نظام التكليف، وتزايد أعداد المقبولين بالكليات، ومدى توافقها مع احتياجات سوق العمل، وهو ما أثار تساؤلات واسعة بين الطلاب وأولياء الأمور بشأن مستقبل المهنة وفرص العمل للخريجين.
نقيب أطباء الأسنان: خفض أعداد المقبولين بنسبة 20% غير منطقي ولا يحل الأزمة
وكشف الدكتور إيهاب هيكل نقيب أطباء الأسنان، موقف النقابة من ملف التكليف، ورؤيتها بشأن أعداد المقبولين بكليات طب الأسنان، وأبرز التحديات التي تواجه الأطباء حديثي التخرج، إلى جانب الحلول والمقترحات التي تقدمت بها النقابة لتحقيق التوازن بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
وحذر نقيب أطباء الأسنان خلال حواره مع موقع “في الجامعة“، من استمرار زيادة أعداد الخريجين دون تخطيط، لما يمثله ذلك من تحديات حقيقية أمام المهنة.

إلى نص الحوار:
بداية.. يشغل ملف تكليف خريجي كليات طب الأسنان اهتمامًا واسعًا، إلى أين وصلت الإجراءات؟
النقابة لا تقوم بالتكليف ولا توظف الخريجين، فالجهة المنوط بها هذا الأمر هي وزارة الصحة، وموقفنا واضح منذ البداية، وهو تأجيل التكليف حسب الاحتياج لمدة خمس سنوات لحين استيعاب جميع الموجودين بالكليات، والطلاب الجدد يعلمون منذ البداية أنه لا يوجد تكليف لكل الدفعة.
هل تتناسب أعداد المقبولين بكليات طب الأسنان حاليًا مع احتياجات سوق العمل؟
لا، الأعداد لا تتناسب مع احتياجات سوق العمل على الإطلاق، لقد أجرينا دراسات من قبل وقدمناها، وأكدنا فيها أن عدد المقبولين بالكليات الجديدة يجب ألا يتجاوز 1400 طالب، مع زيادة سنوية لا تتخطى 4% فقط؛ لأن سوق العمل أصبح مكتظًا بالفعل، خاصة مع سوء توزيع أطباء الأسنان على مستوى الجمهورية.
قدمتم هذه الدراسة للجهات المعنية، فما الذي تم اتخاذه من إجراءات بناءً عليها؟
قدمنا الدراسة لوزارتي الصحة والتعليم العالي، وأرسلناها أيضًا إلى مستشار رئيس الجمهورية الدكتور عوض تاج الدين ومع ذلك، لم يتم اتخاذ أي إجراء ملموس خلال الفترة الماضية باستثناء خفض الأعداد هذا العام بنسبة 20%، ولكن عندما نتحدث عن كليات كانت تقبل 600 طالب وأخرى 800 طالب، فإن هذا الخفض يظل غير منطقي ولا يحل الأزمة.

هل يوجد تواصل مستمر مع وزارة التعليم العالي بشأن تحديد أعداد المقبولين؟
يوجد تواصل، لكن آخر مقابلة فعلية كانت مع الدكتور خالد عبد الغفار عندما كان وزيرًا للتعليم العالي وقدمنا له مقترحاتنا، أما مع الدكتور أيمن عاشور، فقد أرسلنا أكثر من خطاب وتواصلنا أكثر من مرة دون جدوى، ومؤخرًا أرسلت خطابًا إلى الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي الجديد، وطلبنا تحديد مقابلة عاجلة، وما زلنا في انتظار الرد.
ما وجه الغرابة أو التضارب الذي تراه النقابة في السياسة التعليمية الحالية؟
التضارب غريب ويعكس غياب رؤية موحدة للمنظومة؛ فبالتزامن مع افتتاح 12 جامعة جديدة (منها 8 تضم كليات طب أسنان)، تخرج الدولة ممثلة في وزارة الصحة لتؤكد أنها لا تحتاج إلى أطباء أسنان أو صيادلة أو أخصائيي علاج طبيعي، بدليل أن التكليف أصبح حسب الاحتياج لهذه التخصصات الثلاثة، كيف تفتح وزارة التعليم العالي كليات جديدة في تخصصات تعلن وزارة الصحة رسميًا عدم حاجتها إليها؟.

لماذا ترى النقابة أن أعداد المقبولين تحتاج إلى إعادة نظر جذرية؟
لأن العدد الحالي أصبح أعلى من المعدلات العالمية بشكل صارخ؛ فقد وصلنا إلى نحو 120 ألف طبيب أسنان مقابل 120 مليون نسمة، ناهيك عن سوء التوزيع، إذ تضم القاهرة وحدها نحو 35 ألف طبيب أسنان، هذا فضلًا عن أن الوعي الصحي الذي يدفع المريض لزيارة طبيب الأسنان دوريًا غير متوافر بالشكل الكافي محليًا مقارنة بالدول الغربية.

كيف تبدو أرقام الخريجين في مصر مقارنة بدول أخرى كالولايات المتحدة مثلًا؟
المقارنة توضح خللاً كبيرًا؛ فالولايات المتحدة التي يزيد عدد سكانها على 350 مليون نسمة، تُخرِّج نحو 6500 طالب سنويًا فقط، بينما نُخرج في مصر حاليًا نحو 15 ألف طالب سنويًا، وهو رقم غير منطقي.
وما هي توقعاتكم لأعداد الأطباء في السوق خلال السنوات القليلة القادمة؟
لدينا حاليًا أكثر من 80 ألف طالب يدرسون في السنوات الدراسية الخمس، وسينضمون جميعًا إلى سوق العمل خلال السنوات الخمس المقبلة وبذلك، سيتجاوز عدد أطباء الأسنان 200 ألف طبيب، في ظل استمرار افتتاح كليات جديدة حتى وصل إجمالي كليات طب الأسنان إلى 90 كلية.
ما هو التحرك الذي قادتها النقابة لمواجهة هذه الزيادة المستمرة؟
أجرينا دراسة عام 2021، ثم قمنا بتحديثها عام 2025، وأرسلناها إلى جميع الجهات المعنية، وما زلنا نخاطب هذه الجهات باستمرار ونوضح الأمر عبر وسائل الإعلام لتوعية الرأي العام.
بم تحذر النقابة أولياء الأمور والطلاب المقبلين على هذه الكليات؟
نحذرهم صراحة من أن أبناءهم قد لا يجدون فرص عمل إذا التحقوا بكليات طب الأسنان، إلا إذا كان لديهم الاستعداد الكامل لتحمل التكلفة الباهظة لإنشاء عيادة خاصة، في ظل الارتفاع الجنوني للتكاليف والمعوقات الحكومية المتعلقة بالتراخيص واشتراطات المقرات السكنية والإدارية، كل هذه المشكلات تجعل المهنة في خطر شديد.

ما هي أبرز التحديات التي يواجهها طبيب الأسنان حديث التخرج في مصر؟
يواجه الخريج الجديد عدة تحديات، أبرزها غياب التكليف الحكومي؛ ورغم أن راتبه كان ضعيفًا، فإنه كان يمثل فرصة تدريبية وعملية مهمة للغاية وتوقفت الآن هذا الوضع جعل المنافسة شديدة للغاية في السوق الخاص، ودفع أعدادًا كبيرة (خاصة الطبيبات) للبحث عن أي فرصة عمل دون جدوى لعدم وجود أماكن تستوعبهم، فضلاً عن الصعوبة البالغة في فتح عيادات مستقلة.

وماذا عن تحديات التدريب وفرص الالتحاق بالدراسات العليا؟
هناك صعوبة كبيرة في الالتحاق بالدراسات العليا؛ فبالرغم من كثرة أعداد الكليات، فإن أعداد أعضاء هيئة التدريس غير كافية، وبالتالي فإن الأماكن المتاحة بالدراسات العليا في الجامعات الحكومية محدودة جدًا، أما في الجامعات الخاصة فرسومها مرتفعة للغاية وفوق طاقة الطلاب، مما يحد من فرص تطوير مستواهم العلمي.
ما هي مقترحات النقابة للسيطرة على أعداد الكليات والطلاب؟
اقترحنا حلولاً حاسمة تشمل:
وقف إنشاء كليات جديدة: وتحويل الكليات التي لم تُجهز عياداتها بعد واستقبلت طلاب السنوات الأولى فقط إلى تخصصات أخرى مستحدثة، مع نقل طلابها إلى جامعات قائمة.
خفض أعداد المقبولين بشدة: بحيث لا تقبل كل كلية أكثر من 50 طالبًا، كما هو معمول به في الولايات المتحدة والعديد من دول العالم.
تغيير بوصلة التعليم:إنشاء كليات بتخصصات حديثة تحتاجها الدولة كالذكاء الاصطناعي، بدلًا من التركيز التقليدي على الطب والهندسة والأسنان، وقد قدمنا بالفعل نماذج وروابط لكليات نقترحها.
كيف يمكن حل أزمة الدراسات العليا واستيعاب الخريجين علميًا؟
اقترحنا زيادة أعداد المقبولين بالدراسات العليا وفتح الباب لها قدر الإمكان، وذلك عبر التوسع في “الماجستير الإكلينيكي” (الذي يعتمد على الدراسة النظرية والتدريب العملي دون الحاجة لرسالة علمية وإشراف معقد)، بدلًا من الاقتصار على الماجستير الأكاديمي التقليدي.
هل هناك مقترحات لفتح مجالات وتخصصات جديدة داخل المهنة؟
نعم، اقترحنا زيادة التخصصات في طب الأسنان لتفعيل التنوع الإكلينيكي، وكنت قد تقدمت بمقترح للجنة قطاع طب الأسنان لإدخال تخصص “طب الأسنان الشرعي”ضمن برامج الدراسات العليا، وتمت الموافقة عليه بالفعل، نحن في حاجة ماسة لاستحداث مجالات جديدة تستوعب هذه الطاقات وتخدم المجتمع بشكل مختلف.

