قال الدكتور عادل النجدي، عميد كلية التربية بجامعة أسيوط سابقًا، إنه في عام 2026 تمر الذكرى العشرون لصدور القانون رقم 82 لسنة 2006، الخاص بإنشاء الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، تلك الهيئة التي جاءت كخطوة مهمة نحو إصلاح منظومة التعليم في مصر، من خلال تحسين الجودة، وربط مخرجات التعلم باحتياجات سوق العمل، ورفع كفاءة المؤسسات التعليمية وفق معايير تقييم واضحة ومحددة.
وأوضح أن إنشاء الهيئة كان استجابة ضرورية لتحديات حقيقية واجهت التعليم المصري، إلا أن تقييم التجربة بعد مرور عقدين يكشف أن الدور الفعلي للهيئة انحصر – إلى حد كبير – في منح شهادات الاعتماد للمؤسسات التعليمية، دون تحقيق التوازن مع باقي الأدوار الأساسية، وفي مقدمتها دعم التطوير المستدام، وتفعيل الرقابة، وتعزيز الصلة بين التعليم وسوق العمل.
اعتماد الجامعات في مصر

وأشار النجدي إلى أن الإحصاءات تعكس محدودية واضحة في عدد الجامعات الحاصلة على الاعتماد المؤسسي، حيث لم يتجاوز العدد أربع جامعات فقط، هي: الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وجامعة المنصورة، وجامعة المستقبل، وجامعة عين شمس، وهو ما يمثل نسبة ضئيلة للغاية لا تتجاوز 3% من إجمالي الجامعات المصرية، وهو ما يطرح العديد من علامات الاستفهام حول فاعلية منظومة الاعتماد الحالية.
وأضاف أن هذا التباين يصبح أكثر وضوحًا في ظل الظهور المتكرر لعدد من الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية، متسائلًا: كيف يمكن لمؤسسات لم تستوفِ معايير الاعتماد المحلي أن تحقق مراكز متقدمة عالميًا؟ لافتًا إلى أن هذه التصنيفات غالبًا ما تعتمد على تقييم برامج أو تخصصات بعينها، قد تتميز فيها بعض الجامعات، دون أن يعكس ذلك بالضرورة مستوى الجودة الشاملة داخل المؤسسة.

وأكد أن هناك تراجعًا ملحوظًا في اهتمام الجامعات المصرية بالتقدم للاعتماد الأكاديمي المحلي، في مقابل اهتمام متزايد بتحسين مواقعها في التصنيفات الدولية، حتى أصبحت كل جامعة تقريبًا تمتلك لجنة متخصصة لهذا الغرض. وأرجع ذلك إلى عدة أسباب، من بينها صعوبة استيفاء بعض معايير الهيئة، خاصة اشتراط اعتماد 60% من كليات الجامعة قبل التقدم للاعتماد المؤسسي، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا، لا سيما مع وجود كليات نظرية لا تزال بعيدة عن تحقيق متطلبات الجودة بالشكل المطلوب.
كما أشار إلى أن عدم تفعيل حوافز الاعتماد الأكاديمي التي تم إقرارها منذ عام 2011، أسهم في تراجع الحافز لدى أعضاء المجتمع الجامعي، إلى جانب أن التقدم للاعتماد لا يزال اختياريًا، دون وجود مزايا تنافسية واضحة لخريجي الجامعات المعتمدة في سوق العمل، وهو ما أدى إلى انخفاض أولوية هذا الملف لدى العديد من القيادات الجامعية.
وفيما يتعلق بالحلول، شدد النجدي على ضرورة تدخل صانع القرار بشكل حاسم، من خلال إصدار قرار ملزم من المجلس الأعلى للجامعات يُلزم جميع الجامعات بالحصول على الاعتماد الأكاديمي خلال فترة زمنية محددة لا تتجاوز خمس سنوات، مع تطبيق إجراءات تدريجية على الجامعات غير الملتزمة، مثل خفض أعداد المقبولين بها سنويًا، ووقف قبول الطلاب الوافدين بها.

حلول مطروحة لإعادة التوازن
وفي ضوء هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى تدخل حاسم من صانع القرار، من خلال تبني مجموعة من الإجراءات العملية التي يمكن أن تعيد ملف الجودة إلى صدارة الأولويات، ومن أبرزها:
• إصدار قرار ملزم من المجلس الأعلى للجامعات، يقضي بضرورة حصول جميع الجامعات على الاعتماد الأكاديمي خلال فترة زمنية محددة لا تتجاوز خمس سنوات، مع تطبيق إجراءات تصحيحية تدريجية على المؤسسات غير الملتزمة، مثل خفض أعداد الطلاب المقبولين سنويًا، ووقف استقبال الطلاب الوافدين بها.
• ربط اختيار القيادات الجامعية بمعايير الجودة، بحيث تمثل جهود الحصول على الاعتماد والمشاركة فيه نسبة مؤثرة في تقييم القيادات لا تقل عن 20%، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الجودة داخل المؤسسات التعليمية.
• تحديث معايير الاعتماد الحالية، بما يسمح للجامعات التي نجحت في اعتماد 50% من كلياتها بالحصول على اعتماد مشروط، يمنحها فرصة لاستكمال بقية متطلبات الجودة بشكل تدريجي ومنظم.

وأكد على أن مرور عشرين عامًا على إنشاء الهيئة دون تحقيق التحول المنشود في جودة التعليم الجامعي، يمثل جرس إنذار حقيقي يستدعي إعادة النظر في السياسات الحالية، مؤكدًا أن الجودة لم تعد خيارًا، بل ضرورة ملحة في ظل المنافسة العالمية المتسارعة، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالًا واضحًا من ثقافة الحصول على الشهادات إلى ثقافة تحقيق الجودة الفعلية، بما يضمن نظامًا تعليميًا يواكب تطلعات الدولة ويلبي طموحات أبنائها، مشيرًا إلى أن طرح هذا الملف على طاولة وزير التعليم العالي الجديد الدكتور عبدالعزيز قنصوة أصبح ضرورة ملحة ضمن أولويات المرحلة الحالية.


