تُحيي وزارة الأوقاف اليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا والابتكار لبلدان الجنوب، الذي يوافق 16 من سبتمبر من كل عام، وقد أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم A/RES/78/259 الصادر في 9 من يناير 2024م، تأكيدًا لأهمية العلم والتكنولوجيا والابتكار في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التعاون بين بلدان الجنوب، وتقليص الفجوة في الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا، ويأتي الاحتفال بهذه المناسبة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى توظيف التقدم العلمي والتكنولوجي في خدمة الإنسان وتحقيق تنمية أكثر عدلًا وشمولًا.
ويولي الإسلام العلم مكانة رفيعة، ويجعل طلبه والسعي إلى الانتفاع به من أبواب الخير والعمران، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، وقال سبحانه: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، وقال سيدنا النبي ﷺ: «مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»؛ رواه مسلم، بما يؤسس لرؤية تجعل العلم النافع وسيلة لبناء الإنسان، وإعمار الأرض، وتحقيق الخير العام، وتوظيف المعرفة فيما ينفع الناس ويصون كرامتهم.
الأوقاف: العلم والتكنولوجيا والابتكار ركائز صناعة الحضارة
ويمثل العلم والتكنولوجيا والابتكار محركات أساسية للتنمية، لما لها من دور في تطوير التعليم والصحة والزراعة والصناعة والطاقة والاتصالات والخدمات، وفتح آفاق جديدة لمعالجة التحديات العالمية، وفي مقدمتها الفقر وعدم المساواة وتغير المناخ والأوبئة، كما تتيح التحولات التكنولوجية المتسارعة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، فرصًا واسعة للابتكار وتحسين الخدمات ورفع كفاءة العمل، وهو ما يتطلب دعم البحث العلمي، وتوسيع فرص الوصول إلى المعرفة، وبناء القدرات الوطنية، وتشجيع الابتكار، وتعزيز التعاون وتبادل الخبرات.

وتبرز أهمية هذه المناسبة بوجه خاص لبلدان الجنوب، في ظل استمرار الفجوة العالمية في القدرات التكنولوجية والبحثية والاستثمار في العلوم والتكنولوجيا والابتكار؛ وهو ما يجعل التعاون فيما بين بلدان الجنوب، وتبادل الخبرات والحلول والتجارب الناجحة، مسارًا مهمًّا لتحقيق تنمية أكثر توازنًا، وعدم ترك الدول النامية خارج مسار التحولات العلمية والتكنولوجية المتسارعة، ولا سيما مع الانتقال إلى الثورة الصناعية الرابعة والاقتصاد الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتولي الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا بالعلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي والابتكار، انطلاقًا من ارتباطها المباشر بمسيرة التنمية وبناء اقتصاد المعرفة؛ حيث شهدت الجامعات المصرية زيادة في أعداد الطلاب الملتحقين بقطاعات الذكاء الاصطناعي والرقمنة والحاسب الآلي والتكنولوجيا بنسبة 40% خلال العام الدراسي 2024/2025 مقارنة بالعام السابق، إلى جانب التوجه نحو ربط مخرجات البحث العلمي باحتياجات المجتمع وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية، وتعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال.

ويؤكد مؤشر الابتكار العالمي 2025م جانبًا من الحضور المصري في منظومة الابتكار الدولية؛ فقد جاءت مصر في المرتبة 86 عالميًّا من بين 139 اقتصادًا شملها المؤشر، كما جاءت القاهرة في المرتبة 83 عالميًّا ضمن أفضل 100 تجمع للابتكار، لتكون التجمع الوحيد من القارة الأفريقية ضمن هذه القائمة، بما يؤكد أهمية مواصلة الاستثمار في التعليم والبحث العلمي وتنمية القدرات البشرية.
وتولي وزارة الأوقاف اهتمامًا خاصًّا بقضايا العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو ما تجلى في المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، الذي عُقد بالقاهرة في يناير 2026م تحت عنوان: «المهن في الإسلام: أخلاقياتها، وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، حيث ناقش المؤتمر مستقبل المهن في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، وأهمية توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان مع الحفاظ على القيم الأخلاقية والمسئولية الإنسانية.
وتواصل الأوقاف الإسهام في بناء الإنسان القادر على التعامل الواعي مع هذه التحولات من خلال خطب الجمعة والدروس والندوات والقوافل الدعوية والبرامج التثقيفية والمحتوى الإعلامي والرقمي، بما يرسخ قيمة العلم النافع، وإتقان العمل، وتحمل المسئولية، وحسن توظيف التكنولوجيا، ويتكامل ذلك مع جهودها في بناء الشخصية المصرية من خلال مبادرة «صحح مفاهيمك»، التي تستهدف استعادة وبناء الشخصية المصرية الوطنية من منطلق ديني، والإسهام في صناعة الحضارة.
إن العلم والتكنولوجيا والابتكار ليست أدوات للرفاه فحسب، وإنما ركائز لبناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وحين يقترن العلم بالأخلاق، والتكنولوجيا بالمسئولية، والابتكار بحاجات الإنسان، تتحول المعرفة إلى قوة بناء، ويصبح الاستثمار في الإنسان استثمارًا في مستقبل الوطن والإنسانية، وتصبح العلوم والتكنولوجيا والابتكار من أهم أدوات صناعة الحضارة وتحقيق التنمية المستدامة.
حفظ الله مصر والعالم أجمع، ووفق شعوب العالم إلى العلم النافع والعمل الصالح، وجعل التقدم العلمي والتكنولوجي سبيلًا إلى الخير والسلام والعمران وصناعة مستقبل أفضل للإنسانية.

