رأيك

د سمر قطري تكتب.. من الإندومي للفول والبيض: تغذية الطفل المدرسي بين التركيز والتعلّم

IMG 20260827 WA0013 الطفل د سمر قطري تكتب.. من الإندومي للفول والبيض: تغذية الطفل المدرسي بين التركيز والتعلّم موقع في الجامعة

هل يمكن أن يؤثر ما يأكله الطفل في تركيزه وتعلّمه؟ وهل توجد أطعمة تدعم نمو المخ، وأخرى لا نريد أن تتحول إلى جزء أساسي من يومه؟

عندما نستعد للعام الدراسي، نهتم بالكتب والحقيبة والزي المدرسي، لكن هناك شيئًا آخر يبدأ معه الطفل يومه ويؤثر في صحته ونشاطه: غذاؤه.

فالطفل لا يحتاج إلى الطعام لمجرد الشبع، وإنما يحتاج إلى نظام غذائي متنوع يوفر الطاقة والبروتين والفيتامينات والمعادن والدهون الصحية وغيرها من العناصر اللازمة للنمو والتطور. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التغذية الصحية خلال الطفولة والمراهقة مهمة للنمو السليم، وأن العادات الغذائية التي تتكون في هذه المرحلة قد تستمر إلى مرحلة البلوغ.

هل يوجد طعام «يزود الذكاء»؟

لا توجد أكلة سحرية تجعل الطفل أكثر ذكاءً.

لكن المخ، مثل بقية أعضاء الجسم، يحتاج إلى طاقة وعناصر غذائية حتى ينمو ويعمل بصورة طبيعية. لذلك فإن النظام الغذائي المتنوع والمتوازن أهم بكثير من البحث عن طعام واحد نطلق عليه «طعام الذكاء».

وتشير الأدلة إلى أهمية حصول الطفل على المغذيات الأساسية، كما أن نقص بعض العناصر الغذائية قد يؤثر في صحة الطفل ونموه ووظائفه المعرفية.

إذن، هدفنا ليس أن نطعم الطفل «أكلة للذكاء»، وإنما أن نوفر له غذاءً جيدًا بصورة منتظمة.

الإفطار.. المهم ماذا يأكل الطفل؟

الإفطار قد يكون فرصة مهمة لبدء اليوم بوجبة متوازنة.

وتشير مراجعة منهجية للدراسات إلى أن تناول الإفطار ارتبط بتحسن بعض جوانب الأداء المعرفي لدى الأطفال والمراهقين، ومنها الانتباه والذاكرة وبعض الوظائف التنفيذية، مع اختلاف النتائج بحسب تركيب الوجبة وحالة الطفل.

لكن السؤال ليس فقط:

«ابني فطر؟»

بل:

«فطر إيه؟»

وهنا نحتاج أن نتوقف قليلًا أمام بعض العادات الشائعة في البيوت المصرية.

 

الطعمية والبطاطس والبانيه.. المشكلة في التكرار

نحن لا نريد أن نضع الأكل المصري في قائمة الممنوعات.

الطعمية، والفول، والبيض، والجبن، والبطاطس، والدجاج كلها أطعمة يمكن أن تدخل في غذاء الطفل.

لكن عندما يصبح الإفطار اليومي مثلًا:

طعمية مقلية + بطاطس مقلية + بانيه مقلي + خبز أبيض

فإن الوجبة تصبح معتمدة بدرجة كبيرة على المقليات، مع غياب التنوع المطلوب من الخضروات والفاكهة ومصادر العناصر الغذائية المختلفة.

المشكلة إذن ليست في وجبة واحدة، وإنما في أن تتحول هذه الطريقة إلى نمط يومي.

يمكن أن نقدم الطعمية، لكن مع خضروات ومكونات أخرى مناسبة.

ويمكن أن يأكل الطفل البطاطس، لكن ليس من الضروري أن تكون مقلية في كل مرة.

والدجاج مصدر جيد للبروتين، ويمكن التنويع بين المشوي والمطهو في الفرن وغيره بدل الاعتماد على المقلي يوميًا.

نحن لا نربي الطفل على الحرمان، وإنما على التوازن.

وماذا عن الدقيق الأبيض؟

لا نحتاج إلى القول إن الدقيق الأبيض «سم» أو أنه ممنوع تمامًا.

لكن من الأفضل ألا يكون هو الأساس في معظم مصادر الكربوهيدرات التي يتناولها الطفل.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن تأتي الكربوهيدرات بصورة أساسية من الحبوب الكاملة والخضروات والفاكهة والبقوليات، مع تقليل الاعتماد على الأطعمة الأقل جودة الغذائية.

لذلك يمكن، عندما يكون متاحًا ومناسبًا، التنويع بين العيش البلدي والحبوب الكاملة والبقوليات بدل أن يعتمد الطفل معظم الوقت على المخبوزات المصنوعة من الدقيق الأبيض والحلويات والمقرمشات.

الفكرة ليست منع رغيف الخبز الأبيض، وإنما ألا يصبح النظام الغذائي كله قائمًا على الحبوب المكررة.

 

 

 

 

المكرونة سريعة التحضير.. أو «الإندومي»

الإندومي أو المكرونة سريعة التحضير من الأطعمة المحبوبة لدى كثير من الأطفال، وسهولة تحضيرها تجعلها حلًا سريعًا في بعض البيوت.

لكن:

الوجبة السريعة ليست بالضرورة وجبة متكاملة.

المشكلة ليست في تناولها من وقت لآخر، وإنما في أن تتحول إلى وجبة متكررة تحل محل الطعام المتنوع.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن كثيرًا من أنواع النودلز سريعة التحضير تحتوي على كميات مرتفعة من الملح، كما توصي عمومًا بالحد من الصوديوم والأطعمة عالية المعالجة.

لذلك لا نحتاج إلى تخويف الطفل من الإندومي، وإنما نحتاج إلى أن يعرف أنه ليس بديلًا يوميًا عن وجبة متكاملة.

المشكلة ليست في طبق واحد.. المشكلة عندما يصبح الاستثناء هو القاعدة.

ماذا نريد أن نرى في طبق الطفل؟

لدينا في المطبخ المصري أطعمة كثيرة يمكن أن تخدم هذا الهدف دون تعقيد أو تكلفة مبالغ فيها.

البيض

مصدر جيد للبروتين، ويمكن أن يكون جزءًا ممتازًا من الإفطار.

بيض + عيش بلدي + خيار وطماطم + ثمرة فاكهة

وجبة بسيطة ومتوازنة أكثر من الاعتماد على المقليات وحدها.

الفول والعدس والبقوليات

من أهم نقاط قوة المطبخ المصري.

الفول والعدس والفاصوليا وغيرها من البقوليات يمكن أن تكون جزءًا مهمًا من النظام الغذائي المتوازن، وتوصي منظمة الصحة العالمية بإدخال البقوليات ضمن النظام الصحي.

الأسماك

الأسماك مصدر جيد للبروتين، كما توفر دهونًا مفيدة، ولذلك من الجيد أن تكون جزءًا منتظمًا من غذاء الطفل ضمن نظام متنوع.

اللبن والزبادي والجبن

يمكن أن توفر منتجات الألبان البروتين والكالسيوم وغيرها من العناصر الغذائية المهمة، وفقًا لاحتياجات الطفل وبقية نظامه الغذائي.

الخضروات والفاكهة

لا نريد أن تكون الخضروات مجرد «زينة» بجانب الطبق.

خيار، طماطم، جزر، فلفل، خس، برتقال، جوافة، تفاح، موز… كلها اختيارات بسيطة يمكن تقديمها حسب الموسم وما يتقبله الطفل.

ماذا نضع في علبة الطعام المدرسية؟

لا نحتاج إلى وجبة مثالية تشبه صور مواقع التواصل.

نحتاج إلى طعام بسيط، يحبه الطفل، ومتنوع.

مثلًا:

ساندوتش بيض + خيار + ثمرة فاكهة + ماء.

أو:

ساندوتش جبنة + خضروات + فاكهة.

أو:

ساندوتش فول + خضروات + فاكهة.

والقاعدة البسيطة:

مصدر بروتين + مصدر كربوهيدرات مناسب + خضار أو فاكهة.

وماذا عن الشيبسي والحلويات؟

لا نريد أن يتحول الطعام إلى قائمة طويلة من الممنوعات.

الأفضل أن يتعلم الطفل أن هناك أطعمة نتناولها بصورة منتظمة لأنها أكثر فائدة، وأطعمة أخرى يمكن تناولها أحيانًا وبكميات مناسبة.

فالنظام الغذائي الصحي يقوم على التنوع والتوازن والاعتدال، وليس على الحرمان.

 

 

 

 

وفي أيام الامتحانات..

لا توجد وجبة سحرية تعوض قلة النوم أو سوء التغذية طوال العام.

فالتركيز لا يبدأ ليلة الامتحان.

إنه نتيجة مجموعة من العادات اليومية: غذاء متوازن، نوم كافٍ، شرب ماء مناسب، حركة، وتقليل الاعتماد على الأطعمة عالية التصنيع.

الرسالة الأخيرة لكل أم

لا نحتاج إلى تغيير مائدة البيت المصري بالكامل.

ولا نحتاج إلى شراء أطعمة غريبة أو باهظة.

نحتاج فقط إلى أن نسأل أنفسنا:

هل الطعام الذي يشبع طفلي يغذيه أيضًا؟

فبدل أن يكون إفطاره قائمًا كل يوم على المقليات والمخبوزات، يمكن أن ندخل الفول والبيض والجبن والزبادي والخضروات والفاكهة والبقوليات، وننوع طرق الطهي.

وبدل أن يصبح الإندومي والشيبسي والحلويات حلولًا يومية، نعيدها إلى مكانها الطبيعي:

أطعمة يمكن تناولها أحيانًا، وليست أساس غذاء الطفل.

وفي النهاية، لا يوجد طعام واحد يصنع طفلًا ذكيًا.

لكننا نستطيع أن نقدم له غذاءً متنوعًا ومتوازنًا يوفر لجسمه ومخه ما يحتاجانه للنمو والتعلم بصورة أفضل.

فقد لا نستطيع أن نضع «الذكاء» في طبق…

لكن بالتأكيد نستطيع أن نضع في طبق الطفل ما يحتاجه مخه وجسمه حتى ينموا بصورة أفضل.

د سمر قطري أخصائي التغذية العلاجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *