استضاف الإعلامي عبد اللطيف المناوي في حلقة جديدة من بودكاست “رؤية أخرى” على قناة الشرق بلومبيرج، الدكتور محمد عثمان الخشت، أستاذ فلسفة الدين ورئيس جامعة القاهرة السابق وعضو المجلس العلمي الأعلى في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، في نقاش فكري مطول تناول سؤالًا جوهريًا: “هل العقل العربي في أزمة حقيقية؟ وكيف السبيل إلى تطويره؟”، وقد قدّم الدكتور محمد الخشت في هذا الحوار الاستثنائي رؤية فكرية متكاملة تربط بين أزمة التعليم والثقافة وظاهرة التطرف وإشكاليات الهوية وضرورة حوكمة التسامح.

رئيس جامعة القاهرة السابق: العقل العربي في أزمة.. والتعليم مفتاح الإنقاذ
وكشف الدكتور محمد الخشت خلال الحوار الممتد عن رؤية متكاملة تربط بين أزمة التفكير وظاهرة التطرف وإخفاقات التعليم في بعض الدول، مؤكدًا أن منظومة التلقين هي المسؤول الأول عن إنتاج حاضنات للعقليات المغلقة التي تجد في التطرف ملاذًا طبيعيًا لها، مشيرًا إلى أن الفيلسوف لا يمكن أن يكون متطرفًا دينيًا على الإطلاق، لأن العقل الفلسفي قائم على التمحيص النقدي والتمييز بين المقدس والبشري، وبين المطلق والنسبي، لافتًا إلى أن التاريخ الفلسفي خالٍ تمامًا من نماذج التطرف الديني، بدءًا من سقراط ومرورًا بالكندي وابن رشد وصولًا إلى الفلاسفة المعاصرين.
وأوضح الدكتور الخشت أن الإنسان يحمل غريزتين متناقضتين: غريزة الحياة وغريزة الموت، مستندًا في ذلك إلى نظرية فرويد والآية القرآنية الكريمة: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}، وأوضح أن المتطرف هو من يُغلب نزعة الموت ورفض الآخر، ولكن هذه النزعة لا تكتسب طابعها الخطر إلا حين تجد حاضنة ثقافية وتعليمية مناسبة.
وكشف الدكتور الخشت عن تشخيصه العميق لجذور التطرف، مؤكدًا أن المسؤول الأكبر ليس الفقر ولا الإحباط الاجتماعي وحدهما، بل البيئة الثقافية والتعليمية التي تُربي الطفل على التفكير الثنائي الأحادي: إما أبيض أو أسود، إما حق أو باطل.

وفسر الدكتور الخشت كيف تتدرج درجات التطرف، بداية من رفض الرأي الآخر وتوبيخه، إلى ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، ثم تكفير المخالف، ثم استباحة قتله، قائلًا: “إن نمط التفكير المتطرف واحد، لكنه يتدرج في درجات مختلفة، وبعض من يُوصف بالوسطية قد يكون في الحقيقة على أولى درجات هذا السلم”.
كما وجّه الدكتور محمد الخشت نقدًا جذريًا للمنظومة التعليمية في العديد من الدول العربية، مؤكدًا أن المشكلة ليست في محتوى وطرق تدريس مقررات التربية الدينية وحدها، بل في جميع المقررات، لأنها تُعلّم الحفظ والتلقين بدلًا من التفكير النقدي.
وخلال النقاش، رفض الدكتور محمد الخشت ادعاءات الإعجاز العلمي في القرآن، مؤكدًا أن القرآن ليس كتاب فيزياء ولا كيمياء ولا بيولوجيا، وإنما هو كتاب هداية وإرشاد وقيم ومبادئ وغايات، لافتًا إلى أن من يدّعون الإعجاز العلمي يقدمون تفسيرات بعد اكتشاف العلم للنظريات لا قبلها، وأن ذلك يمثل خطورة خاصة في مجال النظريات العلمية لأنها متغيرة، مع التأكيد على عدم مانع من تفسير القرآن في ضوء حقائق الكون الثابتة دون القول بالإعجاز العلمي.

كما فرّق الدكتور الخشت بوضوح بين رفض الإعجاز العلمي وبين إمكانية إثراء فهم القرآن بالحقائق العلمية. وضرب مثالًا على ذلك بالآية الكريمة: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}، مشيرًا إلى أن المفسرين القدامى فسّروا “لموسعون” بمعنى “قادرون” لأنهم لم يعرفوا فكرة توسع الكون، في حين أن العلم الحديث الذي أثبت توسع الكون يتيح تفسيرها تفسيرًا حقيقيًا لا مجازيًا، وهذا ما سماه “تعددية الصواب” في تفسير النصوص.
وبدلًا من الجدل الأصولي والعلماني، طرح الدكتور الخشت مفهوم “ما بعد العلمانية وما بعد الأصولية”، داعيًا العلماء ورجال الدين إلى الاتحاد لمواجهة التحديات المشتركة كالفقر والمرض والحروب وتغير المناخ وخطر الأسلحة النووية، عوضًا عن إضاعة الوقت في جدالات عقيمة حول من يمتلك الحقيقة.
ودعا الدكتور الخشت إلى ما أسماه “حوكمة التسامح”، وهي رؤية تتجاوز فضيلة التسامح الشخصية إلى تقنينه دستوريًا وقانونيًا، موضحًا أن هذه الحوكمة لا تعني أن يتفق الجميع في العقيدة، بل تعني الاتفاق على منظومة قانونية تكفل حرية الاعتقاد وتحرم التمييز والكراهية وازدراء الآخر.

وأكد أن هذه الفكرة ليست غريبة على الإسلام، مستشهدًا بصحيفة المدينة التي وضعها النبي، والتي وصفها بأنها “دستور” ينظم التعايش بين المسلمين والمشركين والمسيحيين وغيرهم تحت مظلة واحدة هي “الانتماء إلى المدينة”، بمعنى أن الحد الأدنى المشترك هو المواطنة لا الانتماء الديني.
وكشف الدكتور الخشت عن موسوعته الجديدة “موسوعة الأديان العالمية” الصادرة في ستة أجزاء، ووصفها بأنها الأولى من نوعها في العالم العربي بمفهوم الإنسيكلوبيديا الأكاديمي الحقيقي، موضحًا أن الموسوعة تعرض الأديان كما يقدمها أصحابها أنفسهم لا من منظور خارجي منحاز، وتشمل جميع الأديان الكبرى والصغرى والمنقرضة، من أديان أستراليا القديمة إلى أمريكا اللاتينية وإفريقيا.
وأكد أن من أهداف “موسوعة الأديان العالمية” مكافحة الجهل بالآخر الذي يغذي الصراع، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الصراعات الدينية تقوم على معلومات مزوّرة أو شحيحة عن الدين الآخر، كما توثق الموسوعة لفكرة “تعددية الصواب” داخل الإسلام ذاته في مواجهة التطرف.
وقدّر الدكتور محمد الخشت عدد الأديان التي مرت على البشرية بما يزيد على ثلاثة آلاف دين، فضلًا عن عشرات الآلاف من المذاهب والطوائف، منوهًا إلى أن المسيحية وحدها يبلغ عدد طوائفها وكنائسها 48 ألف طائفة وكنيسة نوعية وفق أحدث الإحصاءات، بينما يتجاوز عدد الفرق الإسلامية 170 فرقة في الوقت الراهن.

وفرّق الدكتور الخشت بين المقدس والبشري، قائلًا: “المقدس هو الدين في نقائه فقط، والدين يتمثل في القرآن الكريم والسنة المتواترة يقينًا عن النبي، أما التراث فهو إنجاز بشري قابل للفحص النقدي”، ونفى أن يكون ضد التراث ككتلة واحدة، مستشهدًا بأنه حقق 24 كتابًا من كتب التراث في الثمانينيات.
وصاغ موقفه في عبارة جامعة قائلًا: “آخذ من التراث الحي وأرفض منه الميت، آخذ ما يتلاءم مع عصري ويحقق المصالح ويدرأ المفاسد وأرفض الباقي”، ووصف الأمر بأنه يشبه عملية التمثيل الغذائي؛ فلو بقيت مكونات الطعام كما هي في الجسم لَهلك، لكن الجسم يهضمه ويحوله إلى طاقة، ولذلك يدعو إلى صنع تراث جديد بدلًا من الإقامة في القديم.
وقدّم الدكتور الخشت تقييمًا استراتيجيًا دقيقًا للواقع العربي، مصنفًا المجتمعات العربية إلى ثلاث فئات: المنطقة الخضراء (دول أدركت معنى المواطنة وأصلحت التعليم والثقافة ودخلت عصر الاقتصاد الرقمي والمعرفي)، والمنطقة الحمراء (دول تعيش الطائفية والحروب الأهلية وتنهك نفسها ذاتيًا كما أنهكت أوروبا نفسها قبل نضجها)، والمنطقة الرمادية (دول عالقة بين الإصلاح والتراجع، وهي الأكثر إثارة للقلق).
وأبدى الدكتور الخشت ثقته في قدرة دول “المنطقة الخضراء” على التكيف والمضي قدمًا، آملًا أن تستيقظ الدول الأخرى من نومها العميق في التخلف، معيدًا صياغة مقولة داروين: “البقاء ليس للأقوى جسديًا، بل لمن يمتلك أعلى قدرة على التكيف”.

