أخبار الجامعات

رئيس قسم الإعلام آداب الزقازيق: الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن “الحس البشري”.. و”الترند” لا يصنع إعلامياً مهنياً| حوار 

د. وفاء صلاح رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق
د. وفاء صلاح رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق

في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، وتعيد الخوارزميات رسم خريطة التأثير الإعلامي عالميًا، لم تعد مهنة الإعلام كما كانت، ولم يعد الجمهور ذلك المتلقي الصامت، بل أصبح شريكًا في صناعة المعنى وصياغة السرد.

وبين تحديات الذكاء الاصطناعي، وصحافة الترند، وتراجع الثقة في بعض المنصات، يظل السؤال الأهم: كيف يمكن إعداد إعلامي قادر على المنافسة في بيئة شديدة التعقيد وسريعة التغير؟.

رئيس قسم الإعلام آداب الزقازيق: الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن “الحس البشري”.. و”الترند” لا يصنع إعلامياً مهنياً

في هذا السياق، أجرى موقع “في الجامعة”، حوارًا خاصًا مع الدكتورة وفاء صلاح عبدالرحمن خليل، رئيس قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة الزقازيق، للحديث عن واقع الإعلام المصري، ومستقبل المهنة في ظل الرقمنة والذكاء الاصطناعي، ودور المؤسسات الأكاديمية في تأهيل كوادر تمتلك الوعي النقدي والمهارة التقنية والالتزام الأخلاقي.

جاء نص الحوار كالتالي:

س: ما تقييم حضرتك لواقع الإعلام المصري في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وتغير سلوك الجمهور؟

ج: الإعلام المصري يعيش مرحلة انتقالية دقيقة فهناك مؤسسات استطاعت أن تتكيف نسبيا مع البيئة الرقمية، لكن ما زال التحدي الأكبر يتمثل في التحول من نقل المحتوى إلى المنصات إلى إنتاج محتوى مصمم رقميا من الأساس، الجمهور أصبح أكثر انتقائية وتفاعلية، ولم يعد متلقيا سلبيا، وهذا يفرض على المؤسسات إعادة التفكير في فلسفة الاتصال ذاتها.

س: هل ما زالت كليات الإعلام تواكب التطور التكنولوجي أم أن الفجوة بين الدراسة الأكاديمية وسوق العمل تتسع؟

ج: هناك محاولات جادة للتطوير، لكن الفجوة ما زالت قائمة في بعض الجوانب، خاصة في المهارات التقنية المتقدمة وسرعة مواكبة الأدوات الجديدة. الإشكالية ليست في الرغبة في التطوير، بل في آليات التحديث المستمر وربط المناهج باحتياجات السوق المتغيرة بوتيرة سريعة.

س: كيف يمكن لقسم الإعلام أن يخرج صحفيا أو إعلاميا قادرا على المنافسة في عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي؟

ج: من خلال الدمج بين التأصيل النظري الصلب والتدريب العملي المكثف، وتعليم الطالب كيف يفكر لا ماذا يقول فقط. نحن بحاجة إلى إعلامي يفهم الخوارزميات، ويجيد تحليل البيانات، ويمتلك مهارات السرد الرقمي، دون أن يفقد حسه النقدي وأخلاقيات المهنة.

رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق
رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق

س: إلى أي مدى أثر الذكاء الاصطناعي على مستقبل المهنة؟ وهل يمثل تهديدا أم فرصة لطلاب الإعلام؟

ج: الذكاء الاصطناعي أداة، وليس بديلا عن الإنسان، فهو يختصر الوقت في الجوانب التقنية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الحس التحريري، والحكم القيمي، وفهم السياق الثقافي، أراه فرصة حقيقية لمن يتقنه، وتهديدا فقط لمن يرفض تطوير نفسه.

س: هل مناهج الإعلام الحالية تركز على مهارات التفكير النقدي أم ما زالت أسيرة الجانب النظري؟

ج: التحدي الحقيقي ليس في وجود الجانب النظري، بل في طريقة تقديمه، النظرية ضرورية، لكن قيمتها الحقيقية تظهر حين تتحول إلى أداة تحليل للواقع. نحن نعمل على تعزيز التفكير النقدي من خلال مناقشة القضايا الراهنة وتحليل نماذج تطبيقية حقيقية.

س: كيف يتم تدريب الطلاب عمليا داخل القسم؟ وهل هناك شراكات حقيقية مع مؤسسات إعلامية؟

ج: نركز على التدريب داخل استوديوهات ومعامل القسم، إلى جانب إتاحة فرص تدريب ميداني بالتعاون مع مؤسسات إعلامية مختلفة، الأهم أننا نتابع الطالب أثناء التدريب لضمان تحويل الخبرة إلى تعلم فعلي، وليس مجرد شهادة حضور.

س: في ظل انتشار الأخبار المضللة، ما دور الأكاديميين في ترسيخ معايير المهنية والمصداقية؟

ج: دورنا هنا يبدأ من ترسيخ ثقافة التحقق والتدقيق، وتعليم الطلاب أدوات كشف التضليل الرقمي، كما نؤكد دائما أن السبق الصحفي لا يبرر التنازل عن الدقة، وأن المصداقية هي رأس المال الحقيقي لأي إعلامي.

س: هل ترى أن مواقع التواصل الاجتماعي أعادت تعريف مفهوم الإعلامي؟

ج: إلى حد كبير، نعم.. اليوم أصبح من يمتلك منصة وتأثيرًا يُنظر إليه كإعلامي، لكن التأثير لا يعني بالضرورة المهنية، لذلك نميز بين صانع محتوى وإعلامي محترف تحكمه معايير واضحة وأخلاقيات راسخة.

س: ما المهارات التي أصبح من الضروري أن يمتلكها طالب الإعلام اليوم مقارنة بما كان مطلوبا قبل 10 سنوات؟

ج: إجادة أدوات الإنتاج الرقمي، تحليل البيانات، فهم خوارزميات المنصات، مهارات السرد البصري، وإدارة الهوية الرقمية الشخصية، وقبل عشر سنوات كانت المهارة الأساسية هي الكتابة أو الإلقاء، أما اليوم فالمطلوب هو إعلامي متعدد المهارات.

س: كيف يمكن للإعلام الجامعي أن يسهم في تشكيل وعي طلابي مسؤول؟

ج: من خلال تقديم نماذج حوارية راقية، وفتح مساحات للنقاش المنضبط، وتدريب الطلاب على ممارسة حرية التعبير بمسؤولية، فالإعلام الجامعي ليس مجرد نشاط، بل معمل لتشكيل الوعي.

س: هل تعتقد أن حرية التعبير في العصر الرقمي أصبحت أكثر تعقيدا؟ ولماذا؟

ج: بلا شك.. المساحة أصبحت أوسع، لكن المسؤولية أكبر، والفضاء الرقمي لا يعترف بالحدود الجغرافية، وأي رسالة قد تفهم خارج سياقها، مما يجعل التوازن بين الحرية والانضباط أكثر حساسية.

رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق
رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق

س: كيف يمكن للمؤسسات الأكاديمية مواجهة ظاهرة صحافة الترند على حساب المضمون؟

ج: يتم ذلك، بتعليم الطلاب أن الانتشار ليس مرادفا لـالقيمة، ونركز على تحليل نماذج ناجحة جمعت بين الجاذبية والعمق، ونؤكد أن المهنية طويلة المدى تتفوق على المكاسب اللحظية.

س: ما أبرز التحديات التي تواجه طلاب الإعلام حاليا؟

ج: المنافسة الشرسة، التشبع بالمحتوى، تسارع التطور التكنولوجي، وضغط الظهور السريع، كثيرون يريدون النجاح قبل إتقان الأساسيات.

س: كيف ترى مستقبل الإعلام التقليدي في ظل هيمنة المنصات الرقمية؟

ج: لن يختفي، لكنه سيعيد تعريف نفسه، فالصحافة المطبوعة ستصبح أكثر تخصصا، والتليفزيون سيتحول إلى محتوى عابر للمنصات، لا مجرد بث تقليدي.

س: هل أصبح الترند هو المحرك الأول للمحتوى الإعلامي؟ وكيف يمكن إعادة التوازن؟

ج: في بعض المنصات نعم، لكن المؤسسات الرصينة تدرك أن الترند متغير، بينما السمعة المهنية ثابتة، وإعادة التوازن تكون بوضع سياسات تحريرية واضحة تحكم العلاقة بين الجاذبية والمصداقية.

س: هل فقد الجمهور ثقته في بعض وسائل الإعلام؟ وما السبيل لاستعادتها؟

ج: هناك تراجع نسبي في الثقة عالميا، وليس محليا فقط. استعادتها تتطلب شفافية أكبر، وتصحيح الأخطاء علنا، وإشراك الجمهور في الحوار بدلا من مخاطبته من برج عاجي.

س: هل مناهج الإعلام تحتاج إلى ثورة تطوير حقيقية أم تحديثات شكلية؟

ج: نحن بحاجة إلى تطوير عميق ومدروس، لا مجرد تغيير عناوين المقررات، فالتطوير الحقيقي يعني إعادة صياغة فلسفة التعليم الإعلامي بما يتناسب مع التحول الرقمي.

س: هل أقسام الإعلام تدرس الواقع كما هو أم كما ينبغي أن يكون؟

ج: نحن مطالبون بالأمرين معا: تحليل الواقع كما هو، وتقديم النموذج المهني كما ينبغي أن يكون، والتعليم لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى لتقويمه.

س: هل نحن أمام جيل جديد يعيد تعريف الصحافة بالكامل؟

ج: الأدوات تتغير، لكن القيم الأساسية كالصدق والدقة والتحقق ستظل ثابتة، فكل جيل يعيد صياغة الوسائل، لكنه لا يستطيع إلغاء الأسس المهنية.

س: ما رسالتك لطلاب الإعلام؟ 

ج: أن يبنوا أنفسهم ببطء وثبات، فالمهنة لم تعد تعتمد على الموهبة وحدها، بل على التعلم المستمر والانضباط الأخلاقي، ومن يراهن على نفسه ويطوّر أدواته، سيجد مكانه مهما اشتدت المنافسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *