أثارت الوقائع المتكررة المتعلقة في ظاهرة الاعتداء على المعلمين وتجاوز بعض أولياء الأمور بحق المعلمين داخل المدارس أو في محيطها، خاصة خلال فترات الامتحانات، حالة من الجدل والتساؤلات حول الأسباب التي تدفع البعض إلى الاعتداء اللفظي أو الجسدي على القائمين على العملية التعليمية، ومدى ارتباط ذلك بثقافة الغش والضغوط المرتبطة بتحصيل الأبناء للدرجات.
خبراء يحللون لـ”في الجامعة” ظاهرة الاعتداء على المعلمين
وفي هذا السياق، تواصل موقع “في الجامعة” مع عدد من خبراء علم النفس والتربية، للوقوف على الأسباب العلمية والنفسية والتربوية وراء هذه ظاهرة الاعتداء على المعلمين، وسبل التعامل معها والحد من تكرارها، مؤكدين أن حماية المعلم والحفاظ على هيبة المدرسة تمثلان ركيزة أساسية لاستقرار العملية التعليمية.

جمال فرويز: بعض أولياء الأمور يرون الغش حقًا مطلقًا.. والغاية تبرر الوسيلة أصبحت سلوكًا شائعًا
وقال الدكتور جمال فرويز الاستشاري النفسي، إن ظاهرة الاعتداء على المعلمين على المعلمين بسبب منع الغش تعكس حالة من الانهيار الأخلاقي والقيمي لدى البعض، موضحًا أن هناك من يتبنى فكرًا يقوم على أن “الغاية تبرر الوسيلة”، بحيث يصبح النجاح هو الهدف الأساسي حتى لو تم الوصول إليه بوسائل غير مشروعة مثل الغش.
وأضاف فرويز لـ “في الجامعة” أن بعض أولياء الأمور ينظرون إلى الغش باعتباره حقًا مطلقًا لأبنائهم، معتبرين أن من يقف في طريق تحقيق هذا الهدف عدو لهم أو لا يريد مصلحة أبنائهم، وأشار إلى أن الأمر يرتبط أيضًا بنوع من التمرد غير الواعي، حيث يتم تقليد نماذج مجتمعية حققت مكاسب رغم مخالفة القواعد.
وأوضح فرويز أن هناك اختلاطًا فكريًا ودينيًا لدى البعض، بين القيم الدينية التي ترفض الغش وتدعو إلى الاجتهاد، وبين الرغبة في تحقيق نجاح الأبناء بأي وسيلة ودون بذل الجهد الكافي، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى تبرير السلوك العدواني تجاه المعلمين.

تامر شوقي: الغش أصبح استحقاقًا لدى البعض.. وحماية المعلم ضرورة لتأمين العملية التعليمية
ومن جانبه، قال الدكتور تامر شوقي، الخبير التربوي، إن واقعة تعدي بعض أولياء الأمور على معلمة بسبب منع الغش تمثل “جرس إنذار” قبل انطلاق امتحانات الثانوية العامة، وتعكس مجموعة من الدلالات التربوية والنفسية والأخلاقية التي تستوجب التعامل معها بحسم.
وأوضح شوقي لـ”في الجامعة“، أن الحادث يكشف عن تراجع مكانة المعلم لدى بعض أولياء الأمور، ووجود اعتقاد خاطئ بأن المعلم الذي يمنع الغش يتعمد الإضرار بالطلاب، بينما يتم النظر إلى من يتساهل في المخالفات باعتباره أكثر تعاونًا.
وأضاف شوقي أن الغش تحول لدى البعض إلى “استحقاق” للحصول على الدرجات دون بذل الجهد الكافي، مشيرًا إلى أن بعض أولياء الأمور يدفعون أبناءهم إلى هذا السلوك بدلًا من تشجيعهم على الاجتهاد وتحمل المسؤولية.

وأشار شوقي إلى أن سهولة وصول بعض أولياء الأمور إلى حرم المدرسة، إلى جانب غياب الردع الكافي في بعض الوقائع السابقة، قد يسهم في تكرار مثل هذه التجاوزات، مؤكدًا أن تحميل المعلم مسؤولية ضعف مستوى الطلاب أو فشلهم يعكس خللًا في منظومة القيم التربوية، وتحول الامتحان لدى البعض من وسيلة لقياس نواتج التعلم إلى معركة هدفها الأساسي جمع الدرجات بأي وسيلة.
وشدد الخبير التربوي على ضرورة تجريم أي اعتداء أو تهديد يتعرض له المعلم داخل المدرسة أو خارجها، وتطبيق عقوبات رادعة بحق المتجاوزين، مؤكدًا أن حماية المعلم باعتباره موظفًا عامًا وممثلًا للمؤسسة التعليمية لا تعني حماية فرد بعينه، وإنما حماية لهيبة المدرسة وقدرتها على أداء رسالتها التربوية، والحفاظ على استقرار العملية التعليمية بأكملها.

قياتي عاشور: تحول المعلم إلى مقدم خدمة أضعف مكانته.. وبعض الأسر تنظر للتعليم كسلعة مدفوعة
ومن ناحيته، قال الدكتور قياتي عاشور مدرس علم الاجتماع بجامعة بني سويف، إن ظاهرة الاعتداء على المعلمين ترجع سوسيولوجيًا إلى تراجع “المكانة الرمزية” للمعلم وتآكل سلطته الأدبية، موضحًا أنه مع تفشي التعليم الموازي والدروس الخصوصية، تحولت العملية التعليمية في الوعي الجمعي لبعض الأسر إلى مجرد “سلعة مدفوعة الأجر”، وأضاف أن هذا التسليع جعل ولي الأمر ينظر إلى المعلم باعتباره مقدم خدمة وليس مربياً، مما أسقط حواجز الاحترام والرهبة، وجرّأ البعض على ممارسة العنف والندية متى تعارضت القواعد مع مصالحهم.
وأضاف عاشور، في لـ “في الجامعة“، أن الظاهرة تعكس أيضًا حالة واضحة من “تطبيع الانحراف” والخلل القيمي، حيث تمت إعادة تعريف الغش في أذهان بعض الفئات ليصبح “شطارة” و”حقًا مكتسبًا”، ونتيجة لهذا التشوه، لم يعد المعلم الملتزم بمنع الغش يُنظر إليه باعتباره حارسًا لتكافؤ الفرص، بل باعتباره “عقبة” تقف حائلًا بين الطالب والنجاح، مما يدفع ولي الأمر إلى التدخل العنيف بحجة حماية مستقبل ابنه.

وأشار إلى أن الثقافة المجتمعية تلعب دورًا محوريًا عبر ما وصفه بـ”تقديس الشهادة الورقية”، حيث لا يزال المجتمع يربط المكانة الاجتماعية والمهنية للإنسان بـ”المجموع”، متجاهلًا المهارات الحقيقية، وأوضح أن هذا الربط يحول فترة الامتحانات إلى “صراع بقاء طبقي واجتماعي”، ويضع الأسرة تحت ضغط نفسي ومادي هائل، فتتحول لجان الامتحانات في وعيهم من ساحات للتقييم إلى جبهات يجب الانتصار فيها بأي ثمن.
وأكد مدرس علم الاجتماع أنه تحت وطأة هذا الضغط والخوف من “الوصمة الاجتماعية” المرتبطة بالفشل، قد يلجأ ولي الأمر إلى تفريغ شحنات القلق المتراكمة في شكل “عدوانية دفاعية” موجهة ضد المؤسسة التعليمية، وبدلًا من مواجهة تقصير الابن، يتم اتخاذ المعلم كـ”كبش فداء”، ليصبح العنف محاولة يائسة من الأسرة لحماية استثمارها المادي والنفسي في أبنائها من الضياع.

