أخبار الجامعات

عميد بيطري القاهرة الأسبق يحذر من مخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي بالجامعات

الدكتور خالد العامري عميد كلية الطب البيطري بجامعة القاهرة الأسبق
الدكتور خالد العامري عميد كلية الطب البيطري بجامعة القاهرة الأسبق

قال الدكتور خالد العامري، عميد كلية الطب البيطري بجامعة القاهرة الأسبق، إن الجامعة تُعد واحدة من أهم المؤسسات التي أسهمت في صناعة الحضارة الإنسانية ونقل المعرفة وتطوير المجتمعات على مدار القرون، مشيرًا إلى أن الجامعة لم تظل على صورتها الأولى، وإنما مرت بمراحل تطورية متعاقبة عُرفت في الأدبيات الحديثة باسم «أجيال الجامعات».

وأوضح أن الجامعة انتقلت من مؤسسة تركز على التعليم ونقل المعرفة، إلى مؤسسة منتجة للمعرفة، ثم إلى شريك فاعل في التنمية والابتكار، وصولًا إلى الجامعة الذكية التي تتفاعل مع العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن هذه التحولات تعكس تطور احتياجات المجتمعات وتغير طبيعة الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا عبر العصور.

وأضاف أن الجيل الأول من الجامعات يمثل نموذج الجامعة التعليمية التقليدية، وهو النموذج الذي ساد منذ نشأة الجامعات الكبرى في العصور الوسطى، حيث كانت الوظيفة الأساسية للجامعة نقل المعارف المتراكمة من الأساتذة إلى الطلاب في مجالات مثل الدين والفلسفة والطب والقانون والعلوم الأساسية.

عميد بيطري القاهرة الأسبق

وأشار إلى أن الأستاذ كان يمثل المصدر الرئيسي للمعرفة، بينما كان الطالب متلقيًا لها، وقد أسهم هذا النموذج في إعداد الكوادر العلمية والإدارية التي احتاجت إليها الدول والمجتمعات، فضلًا عن الحفاظ على التراث العلمي والثقافي ونقله من جيل إلى آخر.

ولفت إلى أن الجيل الثاني من الجامعات ظهر مع ازدهار الثورة العلمية والصناعية، عندما لم يعد دور الجامعة مقتصرًا على التعليم، وإنما أضيف إليه البحث العلمي وإنتاج المعرفة الجديدة، فأصبحت المختبرات ومراكز البحوث جزءًا أساسيًا من البنية الجامعية.

وأوضح أن الجامعات البحثية برزت خلال هذه المرحلة، وأصبحت مكانتها تقاس بقدرتها على الاكتشاف والابتكار والنشر العلمي، لتنتقل الجامعة من كونها مستهلكًا للمعرفة إلى مؤسسة منتجة لها، وتسهم بصورة مباشرة في التطور العلمي والتكنولوجي الذي شهدته المجتمعات الحديثة.

وتابع الدكتور خالد العامري أن الجيل الثالث من الجامعات برز مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، وهو جيل ريادة الأعمال والابتكار، حيث لم تعد الجامعة مسؤولة عن التعليم والبحث العلمي فقط، وإنما أصبحت شريكًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وأوضح أن الجامعات بدأت خلال هذه المرحلة في إنشاء حاضنات الأعمال ومراكز الابتكار، وتوسيع الشراكات مع الصناعة والمؤسسات الإنتاجية، وأصبح تحويل المخرجات البحثية إلى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية هدفًا رئيسيًا، وهو ما ساهم في ترسيخ مفهوم الاقتصاد المعرفي القائم على توظيف المعرفة لتحقيق التنمية المستدامة وخلق فرص العمل.

وأشار إلى أن الجيل الرابع من الجامعات يقوم على التكامل مع المجتمع والمنظومات الذكية العالمية، حيث أصبحت الجامعة جزءًا من شبكة متفاعلة تضم الحكومة والصناعة والمجتمع المدني والمؤسسات الدولية، ولم تعد حدودها تقتصر على الأسوار المادية، بل أصبحت مؤسسة مفتوحة تتبادل المعرفة والخبرات مع العالم بصورة مستمرة.

وأكد أن هذا الجيل عزز مفهوم المسؤولية المجتمعية، وأصبحت الجامعة مطالبة بالمشاركة في حل المشكلات المجتمعية والقضايا البيئية والاقتصادية والصحية، مع الاستفادة من التقنيات الرقمية ووسائل الاتصال الحديثة.

وأضاف أن الجيل الخامس من الجامعات، وهو أحدث الأجيال، يُعرف بالجامعة الذكية أو الرقمية القائمة على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والتعلم الشخصي والتقنيات المتقدمة، موضحًا أن التكنولوجيا أصبحت في هذا النموذج شريكًا أساسيًا في العملية التعليمية والإدارية والبحثية.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح يساعد في تصميم المناهج وتحليل الأداء الأكاديمي وتقديم الدعم التعليمي للطلاب وتطوير البحث العلمي، إلى جانب استخدام الفصول الافتراضية والواقع المعزز والواقع الافتراضي كأدوات داخل البيئة الجامعية، وهو ما جعل الجامعة أكثر قدرة على الوصول إلى المتعلمين في أي مكان وزمان، ووسع دائرة المعرفة بصورة غير مسبوقة.

وأكد أن هذه الأجيال المتعاقبة تركت آثارًا عميقة على المجتمعات؛ فالجيل الأول أسهم في نشر التعليم وتكوين النخب الفكرية والعلمية، بينما دعم الجيل الثاني التقدم العلمي والتكنولوجي، وكان للجيل الثالث دور بارز في تحريك عجلة الاقتصاد والابتكار، في حين عزز الجيل الرابع علاقة الجامعة بالمجتمع وربطها بقضاياه وتحدياته، ويفتح الجيل الخامس آفاقًا جديدة أمام بناء مجتمعات المعرفة القائمة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتنافسية العالمية.

ولفت إلى أن هذه التحولات الكبرى صاحبتها تحديات جديدة تتعلق بالالتزام والانضباط داخل الجامعات، موضحًا أن مصادر المعرفة كانت في الماضي محدودة، وكان الطالب يعتمد بدرجة كبيرة على أستاذه ومكتبته الجامعية، وهو ما جعل البيئة الأكاديمية أكثر انضباطًا وتركيزًا.

وأضاف أن الطالب اليوم يعيش في عالم مفتوح تتدفق إليه المعلومات من كل اتجاه عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الرقمية، مؤكدًا أن هذا الانفتاح الهائل أتاح فرصًا كبيرة للتعلم الذاتي والاطلاع، لكنه في الوقت نفسه خلق تحديات تتعلق بتشتت الانتباه وضعف التركيز وسرعة انتشار المعلومات غير الموثقة.

وأشار إلى أنه في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الطالب والأستاذ والإدارة الجامعية جزءًا من فضاء إلكتروني مفتوح لا يعترف بالحدود التقليدية، وأصبحت السمعة المؤسسية للجامعة تتأثر بما يُنشر على المنصات الرقمية، كما باتت القيم والسلوكيات الجامعية تواجه اختبارات يومية في ظل سهولة تداول الآراء والمعلومات.

وأكد أن الانضباط الجامعي لم يعد مرتبطًا فقط باللوائح والقوانين، وإنما أصبح مرتبطًا ببناء الوعي والمسؤولية الأخلاقية والرقمية لدى جميع أفراد المجتمع الجامعي.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يضيف بُعدًا جديدًا لهذه المعادلة، فهو يقدم فرصًا هائلة لتحسين جودة التعليم والبحث العلمي وتسريع الوصول إلى المعرفة، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات تتعلق بالأمانة العلمية وأخلاقيات استخدام التكنولوجيا.

وحذر من أن الاعتماد المفرط على الأدوات الذكية قد يؤدي إلى إضعاف مهارات التفكير النقدي والإبداعي إذا لم يتم استخدامها بصورة صحيحة، مشددًا على ضرورة التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساعدة، وليس بديلًا عن عقل الإنسان وقدراته.

واختتم الدكتور خالد العامري حديثه بالتأكيد على أن الجامعة الحديثة، مهما بلغ تقدمها التكنولوجي، لا يمكن أن تنجح بالمعرفة وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة قيمية متكاملة تقوم على الالتزام والمسؤولية والانضباط واحترام الحقيقة العلمية.

وقال إن التكنولوجيا مجرد أدوات، بينما يظل الإنسان هو المسؤول عن تحديد كيفية توظيفها، مؤكدًا أن الجامعات كلما نجحت في تحقيق التوازن بين الابتكار التقني والتربية الأخلاقية، وبين الانفتاح الرقمي والانضباط المؤسسي، استطاعت تخريج أجيال تمتلك العلم والحكمة معًا.

وأشار إلى أن التطور الحقيقي للجامعات لا يتمثل في الانتقال من مبنى إلى آخر أو من تقنية إلى أخرى، وإنما في قدرتها على التكيف مع متغيرات العصر مع الحفاظ على رسالتها الأصيلة، مؤكدًا أن الجامعة كانت وستظل «مصنعًا للعقول ومنارةً للفكر».

وشدد على أن نجاح الجامعة في عصر الفضاء المفتوح ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي سيُقاس بمدى قدرتها على تخريج إنسان قادر على توظيف المعرفة والتكنولوجيا في خدمة المجتمع، ملتزمًا بالقيم، منضبطًا في السلوك، ومؤمنًا بأن العلم لا يكتمل إلا بالأخلاق والمسؤولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *