تحدثت الدكتورة منى الحديدي، أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة العاصمة، عن حشود معرض الكتاب 2026 التي تجاوزت الـ807 آلاف زائر خلال يوم واحد فقط، موضحة أن هؤلاء الزوار ليسوا مجرد “زحام في سوق”، بل هم مجتمع قراء حقيقي.
د. منى الحديدي: الثقافة تحمي الحشود من الفوضى في معرض الكتاب 2026
أوضحت: “بمجرد دخول الزائر من البوابة، يرتدي تلقائيًا ما أسميه قناع المثقف أو المتعلم الذي يفرض رقابة ذاتية أقوى من أي رقابة أمنية، والزائر يريد أن يبدو لائقًا بهذا الحدث، ويرى من حوله ابتسامات الناس في الطوابير ويحملون كتبًا، فتنتقل عدوى الرقي بدلًا من الفوضى”.
الحديدي: “عمران الانضباط” في معرض الكتاب 2026 يحول الزحام إلى تجربة مريحة وآمنة
أكدت الدكتورة منى الحديدي أن المساحات الشاسعة في المعرض الحالي وتوزيع الأجنحة بطريقة تضمن سيولة الحركة يجعل الزائر يشعر بالراحة الجسدية، وعندما لا يُدفع الإنسان للتدافع من أجل المرور، يختفي التوتر النفسي، مضيفة: “نحن أمام ما أسميه عمران الانضباط، حيث التصميم يقود الجمهور للنظام دون الحاجة لأي صافرات إنذار”.

د. منى الحديدي: تنظيم معرض الكتاب 2026 يكشف طاقة الشباب وحب المصريين للحياة
وأشارت أستاذة علم الاجتماع إلى أن الرسالة التي يوجهها هذا السلوك للمشككين في وعي الجيل الحالي واضحة جدًا: “أعطني تنظيمًا محترمًا، أعطك شعبًا منضبطًا”، مضيفة أن هذا الجمهور، ومعظمه من الشباب، يثبت أن لديه طاقة حضارية هائلة، لكنها كانت تحتاج فقط لـ وعاء يستوعبها، ومعرض الكتاب أصبح المرآة التي يرى فيها المصريون أنفسهم في أجمل صورة؛ صورة الشعب الشغوف، المنظم، والمحب للحياة.
الحديدي: معرض الكتاب 2026 عيد للمصريين وفرصة لاستعادة أفضل نسخة من أنفسهم
ولفتت أستاذة علم الاجتماع إلى أن دافع المصريين لحضور المعرض بهذه الأعداد الهائلة وقطع المسافات الطويلة من أجل كتاب واحد يعود إلى أن المعرض في الوجدان المصري هو عيد وليس مجرد سوق، قائلة: “المصريون لا يأتون لشراء الكتب فقط، بل لاستعادة نسختهم الأفضل من أنفسهم، والمعرض يمثل مولد المثقفين الحديث، وهو فرصة للشعور بالانتماء لطبقة واعية، واستعراض حضاري للذات وسط 800 ألف شخص”.
وأوضحت أيضًا أن المعرض أصبح فسحة رقي وترفيه معرفي منخفض التكلفة، تجمع بين التنزه، وتناول الطعام، والتقاط الصور، وبين العودة بحصيلة معرفية، معلقة: “والثقافة هنا متعة جماعية، تجربة حواس كاملة؛ ملمس الورق، رائحة الحبر، مصافحة الكُتّاب، والمعرض يوفر تلامسًا إنسانيًا قلّ وجوده، والزائر يبحث عن تجربة كاملة لا يجدها خلف شاشة هاتفه”.
وأشارت كذلك إلى أن المعرض هو ترمومتر لصحة المجتمع المصري، وإعلان سنوي عن بقاء “الطبقة المتوسطة” صامدة رغم الضغوط، مؤكدة أن الإقبال الهائل هو صرخة احتجاج صامتة ضد السطحية، ويدل على أن “القوة الناعمة” لمصر لا تزال تنبع من زحام شوارعها نحو منابر الفكر.

الدكتورة الحديدي: معرض الكتاب 2026 يكسر أسطورة عدم قراءة المصريين ويجعل الكتاب تريند ممتع
وأكدت قائلة: “لطالما ردد المشككون أن المصريين لا يقرأون لكن أرقام 2026 حطمت كل التوقعات، والمعرض كسر الأسطورة لأنه يقدم لكل مواطن كتابًا يناسب واقعه، من الروايات الشبابية والكوميكس والترجمات الحديثة، مما جعل القراءة فعلًا ممتعًا وليس واجبًا ثقيلًا، ووجود 800 ألف زائر في يوم واحد يعني أن الكتاب أصبح تريند إيجابي، حتى لو بدأ الشخص برواية بسيطة، فإنه يكسر الحاجز النفسي مع الورق ومع الوقت يرتقي بذائقته”.
وأوضحت أن الروشتة التي يقدمها نجاح المعرض للمدارس والجامعات تكمن في التحول من “عقلية السيطرة” إلى “عقلية الإدارة”، وأضافت أن الزحام لا يولد العنف إلا إذا شعر الناس بالحصار، وتوفير المساحات الواسعة والممرات المفتوحة يقلل من التوتر، والتنظيم البصري يفرض على الفرد سلوكًا منضبطًا تلقائيًا دون الحاجة لتدخل أمني مباشر.
وختمت حديثها قائلة: “معرض الكتاب 2026 أثبت أن الإنسان المصري قابل للانضباط إلى أقصى حد، بشرط أن يُحترم عقله، وتُقدّر إنسانيته، ويُوضع في إطار من الجمال والنظام، وهذه هي الاستراتيجية الذهبية التي يجب أن نتعلمها من التجربة”.

