شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 حدثًا غير مسبوق، حيث تجاوز عدد زواره في يوم واحد ٨٠٧ آلاف شخص، ما يجعله أحد أكبر التجمعات الثقافية في الشرق الأوسط، وأُقيمت فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض الكتاب 2026 خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير، بمركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس.
ويسعى هذا التقرير لتحليل الظاهرة الاجتماعية والثقافية وراء هذا الإقبال الهائل، وفهم سلوكيات الجمهور، والتفاعل بين الثقافة والحشود والتعليم في مصر، لتقديم رؤية شاملة حول تحول المعرض إلى كرنفال ثقافي يعكس شغف المصريين بالمعرفة والتعلم.

807 آلاف زائر في يوم واحد.. رقم قياسي عالمي
سجل المعرض حضور ٨٠٧ آلاف زائر يوم الجمعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦، وهو رقم يفوق سعة أكبر ملاعب العالم بخمس مرات تقريبًا، ما يعكس ضخامة الحدث وأهميته كمؤسسة ثقافية غير تقليدية.
وأكدت الدكتورة منى الحديدي، أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة العاصمة، أن هذا الإقبال الضخم لا يعني زحامًا عشوائيًا، بل يمثل مجتمع قراء حقيقي قائلة: “بمجرد دخول الزائر، يرتدي تلقائيًا ما أسميه قناع المثقف، الذي يفرض رقابة ذاتية أقوى من أي رقابة أمنية، والزائر يريد أن يبدو لائقًا بهذا الحدث، ويرى ابتسامات الناس في الطوابير ويحملون كتبًا، فتنتقل عدوى الرقي بدلًا من الفوضى”.
حشود ضخمة بلا فوضى.. الانضباط الجماعي كظاهرة اجتماعية
ورغم أعداد الزوار الكبيرة، لم تُسجّل أي مشاجرات أو اضطرابات، ويعزو الخبراء هذا الانضباط إلى تأثير البيئة الثقافية للمعرض التي تعزز السلوكيات الإيجابية.
ووفقًا لذلك، قالت الدكتورة منى الحديدي: “المساحات الشاسعة وتوزيع الأجنحة بطريقة تضمن سيولة الحركة تجعل الزائر يشعر بالراحة الجسدية، وعندما لا يُدفع الإنسان للتدافع من أجل المرور، يختفي التوتر النفسي، ونحن أمام ما أسميه عمران الانضباط، حيث التصميم يقود الجمهور للنظام دون الحاجة لأي صافرات إنذار”.

معرض الكتاب 2026 يكسر أسطورة “المصريين لا يقرؤون”
وكشف الحدث شغف المصريين بالثقافة والأنشطة القرائية، من حضور الفعاليات الثقافية إلى التجربة الكاملة التي يقدمها المعرض، بما في ذلك التفاعل الاجتماعي والمتعة الشخصية.
حيث أوضحت الدكتورة الحديدي قائلة: “لطالما ردد المشككون أن المصريين لا يقرأون، لكن أرقام 2026 حطمت كل التوقعات، والمعرض كسر الأسطورة لأنه يقدم لكل مواطن كتابًا يناسب واقعه، مما جعل القراءة ممتعة وليس واجبًا ثقيلًا، ووجود ٨٠٠ ألف زائر يعني أن الكتاب أصبح تريند إيجابي، حتى لو بدأ الشخص برواية بسيطة، فإنه يكسر الحاجز النفسي مع الورق ومع الوقت يرتقي بذائقته”.
كرنفال متعدد الأبعاد.. بين الكتب والموسيقى والطعام
تحول المعرض إلى تجربة ثقافية شاملة تجمع بين الكتب، الأطعمة، الفعاليات الموسيقية، والأنشطة العلمية، مما يعكس التنوع الاجتماعي والثقافي ويخلق بيئة تفاعلية آمنة.
وطبقًا لذلك أوضحت أستاذة علم الاجتماع بجامعة العاصمة أن المعرض أصبح فسحة رقي وترفيه معرفي منخفض التكلفة، يجمع بين التنزه، وتناول الطعام، والتقاط الصور، وبين العودة بحصيلة معرفية، مضيفة: “والثقافة هنا متعة جماعية، تجربة حواس كاملة؛ ملمس الورق، رائحة الحبر، مصافحة الكُتّاب، والمعرض يوفر تلامسًا إنسانيًا قلّ وجوده، والزائر يبحث عن تجربة كاملة لا يجدها خلف شاشة هاتفه”.

معرض الكتاب 2026 وجسر التعليم والثقافة
يمثل المعرض امتدادًا طبيعيًا للتاريخ الثقافي المصري، من الوراقين إلى التجمع الخامس، مع دور محوري في تعزيز القراءة من خلال التفاعل بين المؤلفين والطلاب والجمهور العام.
كما أوضحت الدكتورة الحديدي: “المعرض يمثل مولد المثقفين الحديث، وفرصة للشعور بالانتماء لطبقة واعية، واستعراض حضاري للذات وسط ٨٠٠ ألف شخص، وهو ترمومتر لصحة المجتمع المصري وإعلان عن بقاء الطبقة المتوسطة صامدة رغم الضغوط، ويُظهر القوة الناعمة لمصر”.
دروس من معرض الكتاب 2026
تُبرز التجربة أهمية تصميم فعاليات تجمع بين التعلم والترفيه والثقافة، وإدارة الحشود بشكل دقيق، بما يضمن تحقيق الأهداف التعليمية والثقافية بكفاءة وأمان.
وتلخص الدكتورة منى الحديدي تلك الدروس قائلة: “الزحام لا يولد العنف إلا إذا شعر الناس بالحصار، وتوفير المساحات الواسعة والممرات المفتوحة يقلل من التوتر، ومعرض الكتاب 2026 أثبت أن الإنسان المصري قابل للانضباط إلى أقصى حد، بشرط احترام عقله، تقدير إنسانيته، ووضعه في إطار من الجمال والنظام، وهذه هي الاستراتيجية الذهبية التي يجب أن نتعلمها من التجربة”.

