أكد الدكتور حامد عيد الأستاذ بكلية العلوم جامعة القاهرة، أن قضية الطلاب الوافدين في الجامعات المصرية تستحق أن تُناقش بهدوء، بعيدًا عن الدفاع عن شخص بعينه أو الاعتراض على حق أي مؤسسة أو نقابة أو مواطن في طرح الأسئلة، مشددًا على ضرورة وضع الأرقام في سياقها الصحيح، والنظر إلى ملف الطلاب الوافدين باعتباره جزءًا من مستقبل الجامعة المصرية، وليس مجرد بند عابر في ميزانيتها.
وقال الدكتور حامد عيد، في تناول للنقاش الدائر حول منظومة الطلاب الوافدين: «بصفتي أستاذًا منتسبًا إلى الجامعة، وأكتب في شئون التعليم العالي والجامعة، أسمح لنفسي بأن أتناول هذا النقاش بهدوء، لا دفاعًا عن شخص بعينه، ولا اعتراضًا على حق أي مؤسسة أو نقابة أو مواطن في طرح الأسئلة، وإنما دفاعًا عن ضرورة أن نضع الأرقام في سياقها الصحيح، وأن ننظر إلى قضية الطلاب الوافدين باعتبارها جزءًا من مستقبل الجامعة المصرية، لا مجرد بند عابر في ميزانيتها».
حامد عيد يشرح أهمية الطلاب الوافدين لجامعة القاهرة
وأضاف: «حين أعلن رئيس جامعة القاهرة أن منظومة الطلاب الوافدين حققت للجامعة نحو ثمانية ملايين دولار خلال الفترة الماضية، كان من الطبيعي أن يثير الرقم التساؤل، وربما القلق لدى البعض. لكن الرقم في ذاته لا يحمل حكمًا أخلاقيًا أو إداريًا؛ الذي يحتاج إلى النقاش هو: ما الذي يعنيه هذا الرقم؟ وكيف تُدار موارده؟ وما الذي يعود منه على الجامعة وطلابها وبنيتها التعليمية والبحثية؟».
وأوضح أن أفضل طريقة لفهم المسألة هي النظر إلى ما يحدث في الجامعات الكبرى في العالم، قائلًا: «تخيّلوا للحظة أن النقاش نفسه يدور في أكسفورد أو كامبريدج. هناك يدفع الطالب الدولي رسومًا تختلف بصورة كبيرة عن الرسوم التي يدفعها الطالب الذي يحمل صفة “Home”».

وأشار إلى أنه في أكسفورد، تتراوح رسوم الطالب الدولي في برامج البكالوريوس لعام 2027 بين نحو 39.6 ألفًا و66.6 ألف جنيه إسترليني سنويًا، وتصل في بعض مراحل الطب إلى نحو 69 ألف جنيه، بينما تبلغ الرسوم الأساسية للطالب المحلي نحو عشرة آلاف جنيه، وفي كامبريدج تتراوح الرسوم الدولية بحسب التخصص، وتصل في الطب والطب البيطري إلى أكثر من سبعين ألف جنيه إسترليني سنويًا.
وتابع: «ولا يعني ذلك أن الجامعات البريطانية تنظر إلى الطالب الدولي باعتباره “مصدر دخل” فقط. فهذه الجامعات تنظر إلى التعليم الدولي بوصفه جزءًا من بنيتها الأكاديمية والدولية، وفي الوقت نفسه تضع له نموذجًا ماليًا مختلفًا، وهذا أمر معروف في التعليم العالي العالمي، وليس استثناءً مصريًا».
وأضاف أن الصورة نفسها موجودة في الولايات المتحدة، وإن اختلفت النماذج من جامعة إلى أخرى، موضحًا أن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، مثلًا، يضم في العام الدراسي 2025/2026 أكثر من 3400 طالب دولي في برامج الدرجات العلمية؛ وتبلغ نسبة الطلاب الدوليين نحو 41% بين طلاب الدراسات العليا، بينما تبلغ نحو 12% بين طلاب المرحلة الجامعية، وفي هارفارد يمثل الطلاب الدوليون نحو 23% من إجمالي الطلاب وفق بيانات مكتب الطلاب الدوليين.

وقال: «إذن، القضية ليست أن الجامعات الكبرى في العالم “تبيع مقاعدها”، كما قد يوحي بعض الخطاب المتداول، وإنما أن الجامعة الحديثة تعمل في فضاء عالمي مفتوح، تستقطب فيه الطلاب والباحثين والأساتذة من دول مختلفة، وتبني جزءًا من قوتها الأكاديمية والمالية والدولية على هذا الانفتاح».
ولفت إلى أن الأمر يتجاوز المال نفسه، موضحًا أن الوجود الدولي أصبح أحد عناصر الحضور العالمي للجامعة، مضيفًا: «ويكفي أن ننظر إلى منهجيات التصنيفات الدولية لنجد أن نسبة الطلاب الدوليين تدخل بالفعل ضمن مؤشرات الانفتاح الدولي في تصنيفات كبرى مثل Times Higher Education وQS، إلى جانب أعضاء هيئة التدريس الدوليين والتعاون البحثي الدولي».
وأشار إلى أن قضية الطلاب الوافدين بالنسبة إلى مصر أوسع بكثير من مبلغ مالي يتحقق هنا أو هناك، قائلًا: «فمصر تستقبل حاليًا نحو 138 ألف طالب وافد في مؤسسات التعليم العالي التابعة لوزارة التعليم العالي، من نحو 120 جنسية، فضلًا عن أعداد أخرى في جامعة الأزهر. وقد أعلنت وزارة التعليم العالي بوضوح أن استقطاب الطلاب الدوليين جزء من استراتيجية تعزيز تنافسية التعليم المصري والقوة الناعمة المصرية، وأن الدولة تستهدف زيادة أعدادهم خلال السنوات المقبلة».
وأضاف: «وهؤلاء الطلاب لا يغادرون مصر بعد التخرج ومعهم شهادة فقط. كثير منهم يعود إلى بلاده وهو يحمل صورة عن مصر، وعن جامعاتها، وعن أساتذتها، وعن مستشفياتها، وعن ثقافتها، وعن الإنسان المصري الذي عاش معه سنوات، ومن هذه الزاوية يمكن أن يكون الطالب الوافد جسرًا إنسانيًا وثقافيًا وعلميًا بين مصر والعالم».

وأكد أن السؤال الأهم لا ينبغي أن يكون: «لماذا تحصل الجامعة على أموال من الطلاب الوافدين؟»، وإنما: «كيف نحول هذه الموارد إلى قيمة أكاديمية واجتماعية تعود بالنفع على الجامعة والمجتمع؟».
وتابع: «هل تُستخدم في تطوير المعامل؟ هل تساعد في تحديث المستشفيات الجامعية؟ هل تدعم البنية الرقمية؟ هل تسهم في تحسين الخدمات التعليمية؟ هل تساعد في تمويل البحث العلمي؟ هل تتيح فرصًا أفضل للطلاب غير القادرين؟ وهل تستطيع الجامعة أن تعلن بشفافية عن أوجه استخدام هذه الموارد؟ هذه، في رأيي، هي الأسئلة التي تستحق النقاش الجاد».
وشدد الدكتور حامد عيد على أهمية عدم وضع الطالب المصري والطالب الوافد في مواجهة مصطنعة، موضحًا: «فالطالب الوافد ليس بالضرورة طالبًا أخذ مكان طالب مصري، كما أن زيادة أعداد الوافدين لا ينبغي أن تكون على حساب الطاقة الاستيعابية أو جودة التعليم أو حقوق الطلاب المصريين، التحدي الحقيقي هو أن تستطيع الجامعة أن توسع مواردها وانفتاحها الدولي من دون أن تتراجع جودة الخدمة التعليمية المقدمة إلى أبنائها».
وأضاف: «وهذا هو الفارق بين إدارة الجامعة باعتبارها مؤسسة تعليمية حديثة وبين إدارتها باعتبارها مجرد جهة تقدم خدمة تعليمية».
وأوضح أن الجامعة ليست شركة تجارية، مؤكدًا أن هذه حقيقة يجب ألا تغيب، لكنها في الوقت نفسه مؤسسة علمية كبيرة تحتاج إلى موارد حتى تستطيع أن تقوم برسالتها، مشيرًا إلى أن الموارد ليست غاية الجامعة، وإنما إحدى وسائل تحقيق رسالتها.
وقال: «ولذلك، عندما نسمع أن جامعة القاهرة حققت نحو ثمانية ملايين دولار من منظومة الطلاب الوافدين، لا أرى أن الرقم ينبغي أن يكون نهاية النقاش، ولا أن يتحول إلى قصة صادمة في حد ذاته، الرقم ينبغي أن يكون بداية سؤال أكبر: ماذا فعلنا بهذه الموارد؟».
وتابع: «إذا كانت الإجابة هي تطوير التعليم والبحث العلمي والمستشفيات والمعامل والبنية التحتية والخدمات الطلابية، فإن المال هنا لم يكن غاية، وإنما كان وسيلة لخدمة رسالة الجامعة».
وأضاف: «وإذا كانت هناك ملاحظات أو أوجه قصور في إدارة هذه الموارد، فلتُناقش بالأرقام والبيانات وبكل شفافية؛ فهذا حق أصيل للمجتمع الجامعي والمصري. لكن لا ينبغي أن نخلط بين مشروعية النقد وبين رفض الفكرة من أساسها».
وأكد أن مصر ليست وافدًا جديدًا إلى سوق التعليم الدولي، قائلًا: «هي بلد عاش آلاف السنين وهو يستقبل طلاب العلم والمعرفة، من الأزهر إلى الجامعات الحديثة، وما زال قادرًا على أن يكون مركزًا علميًا وثقافيًا في محيطه العربي والأفريقي والدولي».
واختتم الدكتور حامد عيد حديثه بالتأكيد على أن المطلوب اليوم ليس التساؤل عن سبب رغبة جامعة القاهرة في زيادة أعداد الطلاب الوافدين، وإنما طرح سؤال أكثر طموحًا، وهو: «كيف نجعل جامعة القاهرة قادرة على جذب أفضل الطلاب من العالم، وفي الوقت نفسه نضمن لأبنائنا المصريين تعليمًا أفضل، وبحثًا علميًا أقوى، ومستشفيات ومعامل أكثر تطورًا؟».
وأضاف: «هنا فقط يتحول الطالب الوافد من رقم في الحسابات إلى جزء من مشروع الجامعة المصرية في المستقبل».
واختتم قائلًا: «وأظن أن هذا هو النقاش الذي يليق بجامعة القاهرة، وبمكانة مصر، وبجامعاتنا التي لا ينبغي أن تنظر إلى العالم من خارج المنافسة، وإنما أن تدخل هذه المنافسة وهي واثقة من تاريخها، ومدركة لحاضرها، ومصممة على أن يكون لها مكانها في خريطة التعليم العالمي».

