من قلب “الخانكة” إلى معقل الطب الحديث.. هكذا بدأت قصة تأسيس مستشفى أبو زعبل العسكري، حكاية أول مستشفى عسكري حديث في مصر التي ارتبطت لاحقًا بميلاد مدرسة الطب المصرية وتطور قصر العيني ليصبح أحد أبرز الصروح الطبية في المنطقة.
فعندما وضع محمد علي باشا حجر الأساس لجيشه النظامي، لم يكن يتوقع أن تتحول بقعة صحراوية في منطقة الخانكة إلى نقطة الانطلاق الحقيقية للطب الحديث في الشرق، وبعد تنقل معسكرات التدريب بين أسوان وبونالي ثم أطراف القاهرة، استقر الاختيار على الخانكة لتكون مقرًا للمعسكر الرئيسي، بفضل هوائها النقي وبعدها عن أوبئة المدينة، فضلًا عن موقعها الاستراتيجي المؤدي إلى بلاد الشام.
حكاية أول مستشفى عسكري حديث في مصر
لم يكتفِ كلوت بك بترميم ما كان قائماً، بل أمر بهدم مبنى كان مخصصاً كإصطبل للخيل العسكري، ليبدأ في تشييد تصميمه الخاص الذي جاء على هيئة مربع ضخم مهيب، يبلغ طول ضلعه مائتي متر من كل جانب، ويرتفع عن سطح الأرض بنحو خمسة أقدام ليضمن جفاف التربة وعزلها عن الرطوبة، كان المبنى يرتفع طابقاً واحداً فقط بسبب طبيعة التربة، لكنه صُمم بذكاء هندسي يجعل كل جناح فيه عالماً قائماً بذاته.

حيث امتدت صفوف العنابر في الأجنحة الشرقية والبحرية والقبلية، مقسمة إلى ثمانية عنابر واسعة، يحتوي كل واحد منها على خمسين سريراً مصفوفة بدقة في صفين متقابلين، وتخترق جدرانها ست عشرة نافذة مرتفعة، صُممت بعناية لتسمح لضوء الشمس والهواء المتجدد بالتدفق المستمر، مما يجعل بيئة الاستشفاء نقية تماماً. أما الجناح الغربي، فقد كان بوابة العبور لهذا العالم، حيث يقع المدخل العام في منتصف الواجهة، يجاوره مكتب للتحكم وغرفة للحراسة، بينما خُصصت بقية الغرف في هذا الجناح للعيادات الخارجية، ومخازن الأدوية، وصالات مخصصة استقبال الضباط المرضى.
وفي قلب هذا المربع الفسيح، لم يترك كلوت بك الفراغات صامتة، بل زرعها بأجمل البساتين والنباتات الطبية التي أشرف عليها الدكتور “دوليل” أستاذ النباتات بجامعة مونبلييه لمدة عشرين عاماً، حيث كان يرسل كل نادر ونفيس من البذور لتُزرع في تلك الحديقة التي قُسمت بعناية إلى قسمين؛ أحدهما لدراسة نباتات “لينيوس” والآخر وفق نظام “جوسو”.

وفي وسط هذه الخضرة، انتصب مبنى مربع آخر يضم “الأخذخانة” أو الصيدلية، وحمامات، ومطابخ، ومشرحة، وساقية قديمة ترفع المياه العذبة الصافية لتغذي المنشأة بأكملها. ولم يتوقف الطموح عند العلاج فحسب، بل تحول المستشفى إلى مركز إشعاع علمي يضم متحفاً للتاريخ الطبي حوى مجموعات كاملة من الحيوانات والطيور والأسماك والحشرات والزواحف المصرية، إلى جانب جميع أنواع المعادن المستخرجة من مصر وبلاد العرب، مضافاً إليها مجموعة أوروبية ثمينة أهداها ملك فرنسا لويس فيليب، حتى صار المتحف ينافس في ثرائه متحف جامعة باريس الطبية.
ولم تكن المكتبة أقل شأناً، فقد بدأت بمجلدات قليلة لتنتهي بآلاف الكتب التي عربها المصريون أو ألفوها، فضلاً عن الهدايا القيمة من مؤلفات الطب القديمة والحديثة التي قدمتها جامعتا باريس ومونبلييه تقديراً لهذا الصرح الناشئ، لقد كان المستشفى محاطاً بأسوار وسياج واسع، خُصصت أجزاء منه لزراعة الخضراوات وأشجار الفاكهة، ليوفر للمرضى المتعافين مكاناً يتنزهون فيه ويستنشقون الهواء النقي بعيداً عن صخب المعسكرات.

وعلى الرغم من أن المدرسة انتقلت لاحقاً إلى قصر العيني، الذي كان مبنىً مربعاً من طابقين فوق الأرض ويتميز بموقعه الساحر مقابل جزيرة الروضة، إلا أن “أبو زعبل” ستظل دائماً هي النواة الأولى التي انطلقت منها شرارة الطب الحديث، حيث دمجت بين صرامة العسكرية ودقة العلم وجمال الطبيعة، في مشهد تاريخي جسد طموح كلوت بك في خلق مؤسسة طبية متكاملة تضاهي أعظم مستشفيات أوروبا.
وقد خُلدت ذكرى هذا الإنجاز العظيم بلوحة تأسيسية من الرخام، نُقشت عليها ببراعة قصيدة باللغة التركية العثمانية، تحتفي برؤية “والي مصر الغازي محمد علي باشا”، لا تزال هذه اللوحة، بنصوصها التي تمجد الوالي وتؤرخ لبناء هذه “القشلة المعظمة”، تقف شاهداً حياً على عظمة ذلك العصر وطموحاته العمرانية، وكيف تحولت صحراء الخانكة، بأمر من الوالي، من مجرد معسكرات للجنود إلى منارة للشفاء والمعرفة.

وتُعد هذه اللوحة الرخامية بمثابة “شهادة ميلاد” موثقة للمنشأة، حيث تمزج بين الفن والأدب والتوثيق التاريخي. فهي مكتوبة بالخط الثلث الجلي المتقن، وتتبع النمط التقليدي في فن “تاريخ مادة”، حيث تُختتم القصيدة بعبارة حسابية ترمز لسنة الانتهاء من البناء، تستهل اللوحة بتمجيد الوالي محمد علي باشا بلقب “الغازي”.
وهو لقب فخري يُمنح للقادة المنتصرين، وتؤكد بوضوح أن هذا البناء العظيم تم بناءً على أمره المباشر، وتصفه بعبارات مثل “امر ايلدي يابلدي بو قشلاي معلا”، أي “أمر بأن يُبنى هذا القشلة (الثكنة العسكرية) المعظمة”.

وتشير كلمة “قشلة” هنا إلى الطابع العسكري الأصلي للمنطقة قبل تحويلها إلى مستشفى، مما يربط بين تاريخها كمعسكر وتطورها كصرح طبي. وفي السطور التالية، يمتزج الدعاء بالتمنيات للأمن والسلام للجميع، قبل أن تُختتم اللوحة بالتأريخ الدقيق للانشاء، ليظل هذا الأثر شاهداً على حلم كلوت بك وطموح الوالي الذي غير وجه الطب في مصر.

