في قلب القاهرة، حيث تختلط الحكايات القديمة بضجيج الحاضر، يقف مستشفى قصر العيني شاهدًا على واحدة من أقدم وأهم حكايات الطب في مصر. اليوم، وبالقرب من 200 عامًا على تدشينه، لا يبدو المستشفى مجرد مبنى طبي عريق، بل قصة ممتدة من الطموح والتطور، بدأت ملامحها الأولى في أوائل القرن التاسع عشر.
احتفالية كبرى حول 200 سنة قصر العيني
وفي هذا الصدد، أكد الدكتور حسام صلاح، عميد كلية طب قصر العيني ورئيس مجلس إدارة المستشفيات، أن مصر تستعد للاحتفال بمرور 200 عام على نشأة الطب الحديث، مشيرًا إلى أن الاحتفالية الكبرى من المقرر أن تُقام بعد عيد الفطر، ضمن خطة ممتدة على مدار عام كامل.
وأوضح عميد طب قصر العيني، خلال تصريحات صحفية، أن هذا الحدث لا يمثل احتفالًا مصريًا فقط، بل هو احتفال بتاريخ الطب الحديث في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، حيث لم تكن هناك خدمات طبية منظمة قبل نحو مائتي عام، حتى تأسيس مدرسة الطب المصرية “طب قصر العيني حاليًا” التي شكلت نقطة الانطلاق.

وأشار إلى أن هذه المناسبة تمثل احتفالًا لكل الأطباء في مصر، ولكل خريجي كليات الطب وأعضاء هيئة التدريس، مؤكدًا أن قصر العيني يُعد “المدرسة الأم” التي خرجت أجيالًا من الأطباء الذين أسهموا في بناء المنظومة الصحية في مصر.
وأضاف أن تاريخ الطب الحديث في مصر الممتد لـ200 عام يعكس تراكمًا علميًا وخبرة كبيرة تستحق الاحتفاء والبناء عليها.
تاريخ طويل من الاحتفالات الرسمية
ولفت الدكتور حسام صلاح إلى أن مصر سبق أن احتفلت بمحطات مهمة في تاريخ الطب، حيث حضر الملك فاروق احتفالية مرور 100 عام، كما شارك الرئيس الراحل أنور السادات في احتفالية 150 عامًا، مؤكدًا أن احتفالية الـ200 عام تمثل محطة فارقة تستدعي رؤية مستقبلية واضحة.
إعداد رؤية مستقبلية للقطاع الطبي
وكشف عن تشكيل لجنة موسعة تضم نخبة من كبار خبراء القطاع الصحي، من وزراء سابقين ومتخصصين وأطباء شباب، بهدف وضع رؤية استراتيجية لمستقبل الطب والتعليم الطبي في مصر خلال الـ50 عامًا المقبلة.
وأكد أن دور الكليات الكبرى، وعلى رأسها قصر العيني، هو قيادة هذا التطوير باعتبارها المؤسسة الأقدم والأكثر تأثيرًا.
2027 عام الطب المصري
وأوضح أن الاحتفالية الكبرى ستقام في مارس 2027، على أن يكون العام بالكامل “عام الطب المصري”، من خلال تنفيذ مبادرات صحية وأنشطة في مختلف أنحاء الجمهورية، بمشاركة الأطباء والمؤسسات والمجتمع المدني.

مشروع تطوير قصر العيني “مشروع القرن”
وفي سياق متصل، أعلن الدكتور حسام صلاح عن العمل على مشروع تطوير قصر العيني، واصفًا إياه بـ”مشروع القرن”، والذي يهدف إلى تحويله إلى واحد من أفضل المستشفيات الجامعية في المنطقة.
وأشار إلى أن إعداد المشروع استغرق نحو 650 ألف ساعة عمل بمشاركة خبراء محليين ودوليين، مؤكدًا أن الهدف هو تقديم خدمة طبية عالية الجودة تليق بالمواطن المصري.
قصر العيني.. تاريخ عريق ومستقبل واعد
وأكد أن قصر العيني يمثل أحد أهم الصروح الطبية في مصر منذ إنشاء مستشفى فؤاد الأول عام 1928، مشيرًا إلى أن هذا الصرح كان ولا يزال منبعًا رئيسيًا لتخريج الأطباء في مصر.
تطوير مستدام وليس جزئيًا
وشدد على أن تطوير المنشآت الصحية يجب أن يتم بشكل استراتيجي شامل وليس عبر تدخلات جزئية، موضحًا أن الدراسات الخاصة بتطوير قصر العيني استمرت لأكثر من 4 سنوات، بمشاركة نحو 100 خبير في مختلف التخصصات.
لا مكان للعمل الفردي
وأكد أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب العمل الجماعي، موضحًا أن العمل الفردي لم يعد كافيًا في ظل التحديات الحالية، وأن تطوير القطاع الصحي يحتاج إلى تكاتف جميع الجهات.
شراكة ضرورية بين الجامعات والصناعة
وأشار إلى أهمية الدمج بين التعليم الطبي والبحث العلمي والصناعة، مؤكدًا أن هذا النموذج هو أساس التقدم في الدول المتقدمة، وأن مصر تمتلك المقومات اللازمة لتحقيق ذلك.
نحو الاكتفاء الذاتي في القطاع الطبي
وأضاف أن مصر قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال الطبي من خلال الاعتماد على كوادرها العلمية، وتعزيز التصنيع المحلي للأدوية والأجهزة الطبية.
دعوة لدعم المجتمع والقطاع الخاص
واختتم الدكتور حسام صلاح تصريحاته بالتأكيد على أن تطوير المنظومة الصحية مسؤولية مشتركة، داعيًا المجتمع والقطاع الخاص إلى المشاركة في دعم هذه الجهود، بما يسهم في تقديم خدمة طبية متميزة تليق بالمواطن المصري.
ميلاد قصر العيني
وبالعودة إلى تاريخ إنشاء قصر العيني، في 18 مارس 1837، وُلدت مدرسة الطب بقصر العيني، كأول مدرسة قومية للطب في مصر، بعد أن قرر محمد علي باشا نقلها من مستشفى أبو زعبل العسكري، الذي كان قد أسسه عام 1826 بمساعدة الطبيب الفرنسي كلوت بك.
لم يكن القرار مجرد نقل جغرافي، بل خطوة محسوبة نحو التوسع، حيث جاء اختيار الموقع الجديد في قلب القاهرة ليمنح المشروع بعدًا أكثر اتساعًا وحيوية، قادرًا على استيعاب نحو 1500 سرير و300 طالب، في زمن كانت فيه هذه الأرقام تعكس طموحًا استثنائيًا.
لكن اسم “قصر العيني” نفسه يحمل حكاية أقدم بكثير من الطب. فقبل أن يصبح منارة علمية، كان المكان قصرًا شيده في القرن الخامس عشر الأمير الشهابي أحمد بن العيني، أحد أصحاب النفوذ في عصره.
ومع تقلبات الزمن، تحول القصر إلى مقر لاستضافة الملوك والأمراء، قبل أن تعيد الحملة الفرنسية توظيفه كمستشفى عسكري، في واحدة من أولى التحولات التي مهدت لدوره الطبي لاحقًا.
ومع انتقال مدرسة الطب والمستشفى إلى هذا الموقع، بدأت مرحلة جديدة أكثر رسوخًا. المباني الشاسعة، بجدرانها السميكة وممراتها الواسعة، لم تكن مجرد إنشاءات صلبة، بل انعكاسًا لفكرة الدولة عن مؤسسة تعليمية وطبية متكاملة. فقد ضم قصر العيني مكتبة غنية، ومتحفًا للتاريخ الطبيعي، إلى جانب معامل الفيزياء والكيمياء، ليصبح مركزًا علميًا متقدمًا بمعايير عصره.
ورغم أن مستشفى أبو زعبل كان في البداية خيارًا مثاليًا، نظرًا لإمكاناته الكبيرة وقدرته على استيعاب مئات المرضى والطلاب، فإن موقعه البعيد نسبيًا عن قلب القاهرة كان عائقًا أمام التوسع المستقبلي. هنا، جاء قصر العيني ليقدم بديلاً أكثر قربًا وحيوية، بين مصر القديمة وبولاق، في مواجهة جزيرة الروضة، حيث امتزج الموقع المميز بالبنية المتكاملة.

ومع شتاء عام 1837، حمل كلوت بك حلمه إلى هذا المكان، لينقل معه المدرسة والمستشفى، ويبدأ فصلًا جديدًا من تاريخ الطب في مصر. لم يمض وقت طويل حتى أصبح قصر العيني قبلة للطلاب من مختلف أنحاء الشرق، الذين جاءوا ليتلقوا تعليمًا متقدمًا، ثم عادوا ليحملوا ثماره إلى بلدانهم.
هكذا، لم يكن قصر العيني مجرد مستشفى، بل مؤسسة سبقت عصرها، حتى وُصفت بأنها تضاهي أفضل المستشفيات في أوروبا من حيث التنظيم والتجهيز. وربما لهذا السبب، لم يعد الاسم بحاجة إلى تفسير؛ فقد أصبح “قصر العيني” بمرور الزمن مرادفًا للطب نفسه في الوعي المصري، وعنوانًا لتاريخ طويل من العلم والخدمة.
وإلى جانب تاريخه الممتد، يقدم خدماته لما يقرب من مليوني مريض كل عام، عبر منظومة تضم نحو 3 آلاف طبيب وأكثر من 11 ألف موظف. ولم يعد دوره مقتصرًا على تقديم الرعاية الصحية، بل تطور ليصبح مركزًا متكاملًا لتعليم وتدريب الأطباء، إلى جانب حضوره القوي في مجال البحث العلمي المتقدم.
وتشير الأرقام إلى أنه في عام 2014 وحده، قام بتدريب 5710 طلاب جامعيين، و8219 طالب دراسات عليا، إضافة إلى 3588 باحثًا في مرحلة الدكتوراه، في انعكاس واضح لحجمه وتأثيره في المنظومة الطبية والتعليمية.
