تقارير

رئيس إعلام آداب الزقازيق: «السوشيال ميديا» حوّلت الألم الإنساني إلى سلعة رقمية| انفراد

د. وفاء صلاح رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق
د. وفاء صلاح رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق

في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر خلال ثوانٍ عبر المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، «السوشيال ميديا»، لم يعد العمل الإعلامي مجرد نقل للأخبار، بل بات مسؤولية أخلاقية ومهنية تتطلب الالتزام بمعايير دقيقة تحكم طريقة النشر والتناول، خاصة في القضايا والحوادث الحساسة التي قد تمس حياة الأفراد وخصوصيتهم وكرامتهم الإنسانية.

رئيس إعلام آداب الزقازيق: السوشيال ميديا حوّلت الألم الإنساني إلى سلعة رقمية

ومع تصاعد تأثير «السوشيال ميديا» وتحول كثير من المستخدمين إلى ناقلين وصناع محتوى، عادت قضية «الأكواد الإعلامية»، إلى الواجهة باعتبارها أحد أهم الضوابط التي تنظم العمل الصحفي والإعلامي، وتحافظ على التوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأفراد في الحماية من التشهير أو الاستغلال أو الإثارة غير المهنية.

وفي هذا السياق، يفتح موقع «في الجامعة»، هذا الملف للنقاش مع الدكتورة وفاء صلاح عبدالرحمن خليل، رئيس قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة الزقازيق، لرصد كيف تطورت الأكواد الإعلامية في العصر الرقمي، وما التحديات التي فرضتها منصات التواصل الاجتماعي على مفاهيم المسؤولية المهنية، وأهمية إعداد طلاب الإعلام وتأهيلهم أخلاقيًا ومهنيًا للتعامل مع الأخبار الحساسة وفق معايير تحترم الإنسان والمجتمع في آن واحد.

يعتبر الالتزام بالمواثيق والأكواد الأخلاقية حجر الزاوية في استعادة الثقة بين الإعلام والجمهور، خاصة في ظل الفوضى الرقمية التي نعيشها اليوم. فالإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل هو أمانة أخلاقية ومسؤولية مجتمعية قبل أن يكون ممارسة مهنية. وفي ظل الطفرة التكنولوجية التي حولت كل فرد إلى صحفي مواطن، باتت الأكواد الإعلامية هي العاصم الوحيد من الانزلاق نحو الفوضى أو انتهاك الكرامة الإنسانية، ومن منطلق موقعى الأكاديمي، أرى أن ترسيخ هذه القيم في وجدان الأجيال الجديدة من الإعلاميين هو الضمانة الحقيقية لبناء مجتمع واعي يحترم الحقيقة ويقدس الخصوصية.

رئيس إعلام آداب الزقازيق: السوشيال ميديا حوّلت الألم الإنساني إلى سلعة رقمية
الدكتورة وفاء صلاح رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق

س: ما المقصود بـ «الأكواد الإعلامية» في العمل الصحفي، وهل ما زالت بنفس المفهوم التقليدي أم تطورت مع العصر الرقمي؟

ج: الأكواد الإعلامية هي مجموعة من القواعد والمعايير السلوكية التي تحدد الواجبات والمسؤوليات الأخلاقية للصحفي، قديما كانت تركز على الدقة والموضوعية وعدم التحيز. أما في العصر الرقمي فقد تطورت لتشمل معايير جديدة مثل: أخلاقيات السرعة مقابل الدقة، حماية البيانات الشخصية، كيفية التعامل مع المحتوى الذي يولده المستخدم، وضوابط النشر عبر المنصات الاجتماعية لضمان عدم الخلط بين الرأي الشخصي والخبر المهني.

س: إلى أي مدى أصبح من الضروري وجود كود إعلامي واضح يحدد ما يُنشر وما لا يُنشر خاصة في الحوادث الحساسة مثل التحرش والجرائم؟

ج: وجود كود محدد للحوادث الحساسة مثل التحرش، الجرائم بكافة انواعها لم يعد رفاهية بل ضرورة حتمية لأن النشر العشوائي في هذه القضايا قد يؤدي إلى قتل معنوي للضحية أو تضليل للعدالة، فالكود الواضح يضع محددات هامة مثل عدم كشف هوية الضحايا، تجنب لوم الضحية، وعدم نشر صور أو تفاصيل تخدش الحياء العام أو تحرض على العنف.

س: كيف نوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأفراد في الخصوصية وعدم التشهير أو الإيذاء المعنوي؟

ج: المعادلة تكمن في المصلحة العامة، فنعم الجمهور له الحق في معرفة الظواهر التي تهدد أمنه، ولكن ليس له الحق في معرفة التفاصيل الشخصية التي لا تفيد الصالح العام، الموازنة تتم عبر نشر السياق والحدث مع حجب الخصوصية والتشهير، فنشر الاسم أو الصورة لا يضيف قيمة خبرية للقضية بل يهدف للإثارة فقط. وهنا تنتهي حدود حق المعرفة وتبدأ جريمة انتهاك الخصوصية.

س: هل ترى أن بعض التغطيات الإعلامية والسوشيال تتجاوز المعايير المهنية في نقل الحوادث؟ وما أخطر ما في ذلك؟

ج: بكل أسف، نعم.. نحن نعيش فترة تحولت منصات التواصل الاجتماعي وتبعها للأسف بعض المواقع الإخبارية التى تركض وراء التريند إلى ساحات لانتهاك الحيز الخاص للأفراد، حيث يتم استباحة حرمة الموت أو قدسية الوجع الإنساني في الحوادث الحساسة من أجل حصد المشاهدات.

أما عن مكامن الخطر فتتجلى في ثلاثة أبعاد كارثية:

أولا: تسليع الألم الإنساني حيث يتحول الضحايا وذويهم إلى مجرد مادة إعلانية أو أرقام في بورصة المشاهدات مما يؤدي إلى موت الإحساس الجمعي بالتعاطف وتطبيع العنف والانتهاك داخل المجتمع.

ثانيا: الاغتيال المعنوي وتضليل العدالة من خلال التغطيات التي تعتمد على الإثارة والتى تمارس دور القاضي والجلاد قبل أن تقول جهات التحقيق كلمتها، مما يخلق ضغطا شعبيا مبنيا على معلومات مبتورة، وقد يؤدي ذلك إلى تدمير حياة أفراد قد تثبت براءتهم لاحقا، لكن بعد فوات الأوان.

ثالثا: غياب الفلترة الأخلاقية، فأخطر ما في الأمر هو تصدير النموذج المشوه للأجيال الجديدة من الدارسين الذين قد يظنون أن النجاح الإعلامي يقاس بمدى الجرأة في اقتحام خصوصيات الناس وليس بمدى الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية وقواعد النشر الأخلاقية.

س: ما أهمية تدريب طلاب الإعلام على الأكواد الأخلاقية منذ الدراسة وليس بعد التخرج فقط؟

ج: التدريب المبكر يحول الأخلاقيات من نصوص نظرية إلى ملكة مهنية، فالطالب الذي يتعلم أخلاقيات النشر وهو لا يزال يشكل هويته المهنية ينمو لديه الضمير الصحفي الذي يجعله يرفض السبق إذا كان على حساب القيم، وهو ما يصعب غرسه بعد التخرج والانخراط في ضغوط المؤسسات التي تبحث عن المشاهدات.

الدكتورة وفاء صلاح رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق
الدكتورة وفاء صلاح رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق

س: في رأيك، هل اختلفت الأكواد الإعلامية مع تطور الأجيال ومنصات التواصل الاجتماعي؟

ج: جوهر الأخلاقيات ثابت يتمثل فى الصدق والنزاهة، لكن آليات التطبيق اختلفت، فالأجيال الحالية تتعامل مع محتوى بصري وتفاعلي فائق السرعة، لذا ظهرت أكواد تتعلق بالشفافية في التعديل وكيفية التعامل مع الخوارزميات دون السقوط في فخ التضليل الرقمي.

س: كيف أثّر السوشيال ميديا على مفهوم «المسؤولية الإعلامية» لدى الصحفيين والطلاب؟

ج: لقد أحدثت منصات التواصل الاجتماعي ما نسميه في الأكاديمية ارتباكا في الهوية المهنية؛ حيث تلاشت الحدود الفاصلة بين الذاتي والموضوعي، وبين الصحفي كفرد له رأي، والصحفي كمهني يلتزم بالحياد، هذا التأثير يمكن رصده في ثلاثة تحولات عميقة:

أولا: التحول من حارس البوابة إلى الناقل اللحظي، فقديما كانت المسؤولية الإعلامية تكمن في قدرة الصحفي على الفلترة والتحقق قبل النشر، اما اليوم تحت ضغط سرعة السوشيال تحول المفهوم لدى الكثيرين خاصة الطلاب من المسؤولية عن دقة الخبر إلى المسؤولية عن سرعة السبق، هذا الاندفاع الرقمي جعل التحقق تاليا للنشر وليس سابقا له، وهو ما يضرب جوهر المسؤولية الاجتماعية في مقتل.

ثانيا: شخصنة العمل الصحفي حيث تسللت ثقافة البلوجر والمؤثر إلى عقلية الصحفي الشاب، فأصبح يرى أن مسؤوليته تجاه جمهوره الخاص او ما يطلق عليه Followers ومعدلات التفاعل لديه أهم من مسؤوليته تجاه المؤسسة أو المواثيق الأخلاقية، هذا التوجه أضعف الالتزام بالمعايير الرصينة مقابل البحث عن الكاريزما الإلكترونية، مما جعل الرسالة الإعلامية تابعة لشخص الصحفي لا لمهنيته.

ثالثا: تآكل مفهوم المسؤولية القانونية والتبعية الأخلاقية.. ففي الإعلام التقليدي كانت المؤسسة هي المظلة التي تحمي وتراقب. أما في الفضاء الرقمي، فقد نشأ نوع من الفردية المتفلتة حيث يعتقد البعض أن النشر عبر الحساب الشخصي يعفيهم من المسؤولية المهنية.

ونحن نرسخ في طلابنا أن الصحفي لا يتجزأ. فالمسؤولية الأخلاقية هي التزام أخلاقي وقانوني يلاحق الإعلامي في كل كلمة يكتبها، سواء على شاشة التلفاز أو في تغريدة عابرة.

ولذلك، نحن نعمل في القسم على إعادة صياغة مفهوم المسؤولية ليكون مسؤولية رقمية واعية تدرك أن الكلمة في الفضاء الإلكتروني هي رصاصة لا يمكن استردادها، وأن الأثر الذي تتركه على الوعي الجمعي يفوق بمراحل أثر الخبر في الصحيفة الورقية القديمة.

س: ما الخط الفاصل بين التوثيق المهني للحوادث وبين التحول إلى إثارة أو تشهير غير مبرر؟

ج: الخيط الرفيع بين التوثيق والتشهير يحدده معيار الضرورة الإخبارية، فالتوثيق المهني يهدف لخدمة السياق وكشف الحقائق التي تهم الصالح العام بأسلوب رصين، أما الإثارة فتركز على اللقطة المجهرية للألم وتفاصيل الحياة الشخصية التي لا تضيف قيمة للخبر بل تهدف لإشباع غريزة الفضول فقط.

والمهني يلتزم بزوايا معالجة تحترم كرامة الضحية والحق في النسيان، بينما يندفع غير المهني نحو استخدام لغة ميلودرامية وعناوين صارخة تهدف لتحفيز الغرائز لا العقول محولا الإنسان من صاحب قضية إلى أداة للجذب البصري

س: كيف يمكن للجامعات ومؤسسات الإعلام أن تواكب هذا التطور في نشر المحتوى المسؤول؟

ج: يقع على عاتق الجامعات ومؤسسات الإعلام دور تكاملي لمواجهة الانفلات الرقمي، يبدأ من تطوير المناهج الدراسية لتنتقل من القوالب التقليدية إلى تدريس أخلاقيات الإعلام الرقمي والتربية الإعلامية.

ويجب أن نركز في الأقسام الأكاديمية على تدريب الطلاب على أدوات التحقق الرقمي ومكافحة التضليل، مع ربط الجانب النظري بالمسؤولية القانونية والاجتماعية، لضمان تخريج كوادر تمتلك الوعي التقني والحصانة الأخلاقية في آن واحد.

​أما على مستوى المؤسسات الإعلامية، فالمواكبة تتطلب وضع مواثيق سلوك داخلي صارمة تضبط أداء الصحفيين على المنصات الرقمية، وتفعيل دور المحرر الأخلاقي كصمام أمان قبل النشر، وإن سد الفجوة بين التعليم والسوق يستلزم عقد شراكات تدريبية مستمرة تضع المعايير الإنسانية فوق اعتبارات الانتشار اللحظي، لترسيخ نموذج إعلامي يحترم عقل المشاهد ويحافظ على قيم المجتمع الرقمي الجديد.

س: برأيك، ما أكثر خطأ شائع يقع فيه طلاب الإعلام عند التعامل مع الأخبار الحساسة؟

ج: يتمثل الخطأ الأكثر شيوعا في الاندفاع العاطفي خلف بريق السبق الرقمي والتريند على حساب التحقق من المصادر، حيث يقع الطلاب غالبا في فخ إعادة نشر المحتوى دون فحص دقيق لمدى صدقيته أو تأثيره الأخلاقي.

وهذا الاندفاع يجعل الطالب يغفل عن حماية هوية الضحايا أو ينجرف وراء تفاصيل خصوصية تسيء للأفراد، ظنا منه أن كثافة المشاهدات هي المعيار الوحيد للنجاح المهني، وهو ما نسميه في الأكاديمية بغياب الفلترة الأخلاقية للحدث.

​كما يبرز خطأ آخر وهو التعامل مع الحوادث الإنسانية كقصص مشوقة أو أرقام مجردة، وتجاهل التبعات النفسية والقانونية للنشر. الطالب في بداياته قد يخلط بين دور الصحفي الموثق ودور الناشط الاجتماعي، فيستخدم لغة عاطفية منحازة تؤدي إلى إصدار أحكام مسبقة وتضليل الرأي العام، مما يستوجب علينا دائماً تذكيرهم بأن مهنة الإعلام تبدأ من احترام كرامة الإنسان وتنتهي عند حدود القانون والمواثيق المهنية.

الدكتورة وفاء صلاح رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق
الدكتورة وفاء صلاح رئيس قسم الإعلام بجامعة الزقازيق

وختاما إن معركتنا الحقيقية اليوم في أقسام الإعلام ليست مجرد معركة تكنولوجية لملاحقة أدوات الذكاء الاصطناعي أو منصات التواصل الرقمي، بل هي معركة وعي وأخلاق بالدرجة الأولى، بصفتنا مؤتمنين على إعداد قادة الرأي العام وصناع المحتوى، نؤكد من داخل أروقة الجامعة أن السبق الصحفي الذي ينتهك كرامة إنسان هو سقطة مهنية كبرى، وأن التريند الذي يبنى على أنقاض الخصوصية هو مجد زائف لا يصنع إعلاما مستداما.

وإننا نراهن اليوم على جيل من الطلاب يدرك تماما أن الكلمة أمانة، وأن الممارسة الإعلامية المسؤولة هي الحصن الأخير لحماية تماسك المجتمع.

ومن هنا، نجدد دعوتنا للمؤسسات الصحفية والمنصات الرقمية لتبني ميثاق شرف رقمي يواكب متغيرات العصر، ويجعل من الإنسان وقيمه الهدف الأسمى لكل رسالة إعلامية، فالإعلام الذي لا يحترم الإنسان، لا يمكنه أبدا أن يخدم الأوطان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *