أخبار الجامعات

“دي آخر دفعة”.. رئيس جامعة المنصورة الجديدة يوضح كيف يعيد الرئيس السيسي بناء التعليم لصناعة وظائف المستقبل

الدكتور معوض الخولي رئيس جامعة المنصورة الجديدة
رئيس جامعة المنصورة الجديدة

قال الدكتور معوض الخولي، رئيس جامعة المنصورة الجديدة، إنه قبل أيام قليلة، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي عبارة لافتة حين قال: “قولوا للناس دي آخر دفعة”، كانت كلمات مختصرة، لكنها حملت دلالات عميقة تتجاوز ظاهرها، إذ لم تكن دعوة لإغلاق كليات أو إلغاء تخصصات، كما قد يتصور البعض، وإنما كانت رسالة واضحة بضرورة إعادة ضبط العلاقة بين التعليم وسوق العمل، بحيث لا تستمر الجامعات في تخريج أعداد لا تتناسب مع الاحتياجات الفعلية للاقتصاد الوطني.

وتابع رئيس جامعة المنصورة الجديدة، الفكرة الجوهرية هنا ليست إلغاء أي علم أو تخصص، وإنما تنظيم الأعداد وتطوير البرامج بما يحقق التوازن بين المعرفة الأكاديمية ومتطلبات التنمية. بمعنى آخر، المقصود بعبارة “آخر دفعة” هو آخر دفعة من الخريجين بلا وظيفة، وبداية دفعات خريجين يمتلكون مهارات قابلة للتوظيف مباشرة.

دي آخر دفعة”.. رئيس جامعة المنصورة الجديدة يوضح كيف يعيد الرئيس السيسي بناء التعليم لصناعة وظائف المستقبل

أضاف الخولي، من هنا يصبح من المهم التأكيد أن كل التخصصات العلمية والإنسانية تبقى ضرورية لبناء المجتمع، فالدول المتقدمة لم تتخلَّ عن كلياتها أو علومها المختلفة، بل عملت على إعادة توظيفها داخل منظومة التنمية الاقتصادية. العلوم الإنسانية مثل الفلسفة وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا ليست علومًا هامشية، بل تمثل ركيزة لفهم المجتمع وإدارة المؤسسات وصياغة السياسات العامة. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحديث البرامج الدراسية داخل هذه الكليات بحيث تتصل بشكل مباشر بقضايا العصر، مثل الاقتصاد الرقمي، وإدارة الموارد البشرية الحديثة، والدراسات المستقبلية، والتخطيط العمراني، وتحليل السياسات العامة.

معوض الخولي رئيس جامعة المنصورة الجديدة
معوض الخولي رئيس جامعة المنصورة الجديدة

الجامعات التكنولوجية

وفي هذا السياق، قال رئيس جامعة المنصورة الجديدة، إن الجامعات التكنولوجية تبرز باعتبارها أحد المسارات المهمة لربط التعليم بالإنتاج، لكنها لن تحقق أهدافها إلا إذا توافرت لها البيئة الكاملة للتعليم التكنولوجي الحقيقي. فالتعليم التكنولوجي لا يقوم على المحاضرات النظرية وحدها، بل يحتاج إلى معامل وورش ومعدات حديثة، وإلى شراكات حقيقية مع المصانع والشركات، بحيث يكون التدريب العملي جزءًا أصيلًا من العملية التعليمية، وجود شركات فاعلة مرتبطة بالجامعات، وتوفير أماكن تدريب حقيقية للطلاب داخل المصانع ومواقع الإنتاج، يمثل الشرط الأساسي لنجاح هذا النموذج التعليمي.

وتابع الخولي، غير أن قضية التوظيف وصناعة فرص العمل لا يمكن اختزالها في دور الجامعات وحدها، لأن صناعة فرص العمل هي في حقيقتها صناعة منظومة متكاملة. هذه المنظومة تبدأ بتحديد احتياجات الدولة من الصناعات والمنتجات التي يتم استيرادها من الخارج، والعمل على توطين صناعتها داخل البلاد، وهو ما يفتح بدوره مجالات واسعة لفرص العمل، وهنا يصبح التكامل بين الوزارات المختلفة أمرًا حتميًا، فوزارة الصناعة معنية ببناء القاعدة الإنتاجية، ووزارة التخطيط تحدد الأولويات التنموية، ووزارة العمل تنظم برامج التدريب والتأهيل، ووزارة المالية تدعم الحوافز الاستثمارية، بينما تلعب الجامعات دورًا محوريًا في إعداد الكوادر البشرية القادرة على تشغيل هذه المنظومة.

بالإضافة إلى، أنه لا يمكن أن ينجح هذا التكامل إلا إذا بُني على دراسات حقيقية وعميقة لسوق العمل، ليس فقط على المستوى المحلي، بل أيضًا على المستويين الإقليمي والدولي. فالعامل المصري لا يعمل داخل حدود بلده فقط، بل يمتلك فرصًا واسعة في أسواق العمل العربية والدولية، وهو ما يفرض على الجامعات أن تدرس هذه الأسواق بعناية، وأن تحدد المهارات المطلوبة فيها، وأن تعيد بناء برامجها التعليمية بما يتناسب مع هذه المتطلبات.

الدكتور معوض الخولي رئيس جامعة المنصورة الجديدة
الدكتور معوض الخولي

إعادة صياغة البرامج الأكاديمية بصورة أكثر مرونة وابتكارًا

ومن هنا يبرز دور الجامعات في إعادة صياغة البرامج الأكاديمية بصورة أكثر مرونة وابتكارًا. فبدلًا من الاقتصار على التخصصات التقليدية المنفصلة، أصبح الاتجاه العالمي يتجه بقوة نحو البرامج البينية، ومتعددة التخصصات، وعابرة التخصصات، وهي برامج تجمع بين أكثر من مجال معرفي داخل إطار واحد، بما يسمح بإعداد خريج يمتلك مهارات متنوعة تتناسب مع طبيعة سوق العمل الحديث الذي لم يعد يعتمد على تخصص واحد منفصل. هذه البرامج لا تعني إلغاء التخصصات الأصلية، بل تعني توظيفها معًا داخل منظومة معرفية أكثر تكاملًا، بحيث تعمل العلوم الإنسانية والعلوم الأساسية والتكنولوجية والعلوم الحديثة في إطار واحد يواكب التحولات الاقتصادية والعلمية في العالم.

تطوير برامج تجمع بين الاقتصاد وعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي

فيمكن مثلًا تطوير برامج تجمع بين الاقتصاد وعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي لإعداد متخصصين في تحليل الأسواق واتخاذ القرار الاقتصادي المعتمد على البيانات. ويمكن إنشاء برامج تجمع بين الجغرافيا ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد لخدمة مجالات التخطيط العمراني وإدارة الموارد الطبيعية والطاقة المتجددة. كما يمكن الجمع بين علم النفس وإدارة الأعمال والتكنولوجيا الرقمية لإعداد كوادر قادرة على إدارة المؤسسات الحديثة وتحليل سلوك المستهلك في الاقتصاد الرقمي.

مجال الصناعات الثقافية والإبداعية

وفي مجال الصناعات الثقافية والإبداعية يمكن تطوير برامج تجمع بين الفنون والتصميم الرقمي وتكنولوجيا الإعلام لإنتاج كوادر تعمل في مجالات التصميم الصناعي والإعلام الرقمي وصناعة المحتوى. كما يمكن تطوير برامج تجمع بين التاريخ والآثار وتكنولوجيا الواقع الافتراضي لإنتاج نماذج رقمية للمواقع الأثرية وتطوير السياحة الثقافية الذكية. كذلك يمكن إنشاء برامج تجمع بين القانون والتكنولوجيا الرقمية لإعداد متخصصين في مجالات التشريعات الرقمية وأمن المعلومات وحماية البيانات.

مجالات التخطيط والتنمية

وفي مجالات التخطيط والتنمية يمكن تطوير برامج تجمع بين علم الاجتماع والاقتصاد والتخطيط العمراني وتحليل البيانات لدراسة التحولات المجتمعية والتخطيط للمدن الجديدة والمجتمعات العمرانية الحديثة. كما يمكن تطوير برامج تجمع بين العلوم الأساسية مثل الفيزياء والكيمياء مع الهندسة والتكنولوجيا في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة، والصناعات المتقدمة، والمواد الذكية.

ومن المهم التأكيد أن هذا التوجه لا يأتي بمعزل عن السياسات الوطنية للتعليم العالي، بل يتوافق بشكل مباشر مع الخطة الاستراتيجية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، التي وضعت ضمن مرتكزاتها الرئيسية تطوير البرامج متعددة التخصصات وعابرة التخصصات، وربط التعليم بسوق العمل، والتحول نحو اقتصاد المعرفة، وتدويل التعليم، وتعزيز التكامل بين التخصصات والمؤسسات التعليمية.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم هذه الدعوة باعتبارها محفزًا عمليًا لتفعيل هذه الرؤية الاستراتيجية داخل الجامعات المصرية، ودعوة واضحة لكل المؤسسات الأكاديمية للعمل بجدية حول تطوير برامجها التعليمية بما يتماشى مع هذه التوجهات.

وأكد الخولي، أن مثل هذه البرامج البينية والمتعددة التخصصات تفتح آفاقًا واسعة للاستفادة من الإمكانات العلمية الموجودة داخل الجامعات، وتُظهر بوضوح أن كل التخصصات ما زالت مطلوبة، لكن المطلوب هو أن تعمل هذه التخصصات معًا في إطار فكري جديد يواكب تحولات الاقتصاد العالمي والتطورات التكنولوجية المتسارعة، وبهذا تصبح هذه الرؤية ليس مجرد استجابة ظرفية، بل خطوة ناضجة في اتجاه تطوير منظومة التعليم العالي، وتنفيذ سياسات الدولة التعليمية بروح من الفهم العميق للمقصود، بما يضمن إعداد خريجين قادرين على المنافسة والعمل والإبداع في عالم يتغير بسرعة.

بالإضافة إلى، إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الكليات أو عدم وجودها، بل في كيفية استثمار الموارد التعليمية استثمارًا رشيدًا. فالجامعات تمتلك كوادر علمية وإمكانات كبيرة، لكن الاستفادة منها تتطلب إعادة توجيه البرامج التعليمية نحو المجالات التي يحتاجها الاقتصاد. وبدلًا من إنتاج خريجين في برامج لا يجدون لها مجالًا في سوق العمل، يصبح من الضروري توجيه هذه الطاقات نحو برامج جديدة تتناسب مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.

وقال رئيس الجامعة، لكي يتحقق ذلك، تحتاج الدولة أيضًا إلى إطار تشريعي وتنظيمي حديث يضمن التنسيق الكامل بين مؤسساتها المختلفة، ويُلزم الجهات المعنية بالعمل وفق منهجية واضحة تشبه ما تطبقه الدول المتقدمة. هذه المنهجية تعتمد على أدوات الثورة الصناعية الرابعة، بما في ذلك استخدام البيانات الضخمة، والتحليل التنبؤي، والذكاء الاصطناعي في التخطيط لسوق العمل، وفي تحديد احتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة، وفي ضبط الأداء المؤسسي داخل أجهزة الدولة.

الدكتور معوض الخولي رئيس جامعة المنصورة الجديدة
الدكتور معوض الخولي

وأضاف عندما تعمل هذه العناصر كلها في تناغم، التخطيط الاقتصادي، والتشريعات الحديثة، والتعليم المتطور، والشراكات الصناعية الفاعلة، يصبح من الممكن بناء منظومة متكاملة لإنتاج فرص العمل. وفي هذه الحالة، لن يكون الخريجون مجرد حملة شهادات، بل كوادر حقيقية أفرزتها نظم تعليمية ناضجة ومؤهلة، قادرة على العمل والإبداع والمنافسة في بيئات العمل الحديثة.

وكذلك إن الرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها من توجيه الرئيس ليست تقليص التعليم أو الاستغناء عن بعض التخصصات، بل إعادة تنظيم المنظومة التعليمية بالكامل بحيث تعمل في انسجام مع احتياجات الدولة وسوق العمل. فالمستقبل لن يكون لمن يمتلك الشهادة فقط، بل لمن يمتلك المهارة والمعرفة القابلة للتطبيق، ولمن يتخرج من منظومة تعليمية مرتبطة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية ارتباطًا حقيقيًا.

عبارة “دي آخر دفعة”

بهذا المعنى، تصبح عبارة “دي آخر دفعة” ليست نهاية لمرحلة، بل بداية لمرحلة جديدة يُعاد فيها بناء العلاقة بين التعليم والعمل، وتتحول فيها الجامعات من مؤسسات تمنح الشهادات إلى مؤسسات تصنع الكفاءات القادرة على قيادة التنمية وبناء اقتصاد وطني قوي ومتنوع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *