في خطوة علمية رائدة على المستوى المحلي، يقدم الباحث إسلام محمد فوزي دراسة متخصصة عن رياضات الأقزام في مصر، عي تسليط الضوء على فئة مهمة في المجال الرياضي، حيث تعد الدراسة الأولى من نوعها في مصر لا تكتفي برصد الواقع، بل تقدم حلولًا عملية لتطوير هذه الرياضات، ودمجها بشكل فعّال في المنظومة الرياضية الوطنية.
يوضح الباحث إسلام محمد فوزي، في حوار صحفي لموقع “في الجامعة” أهداف الدراسة، أبرز التحديات التي تواجه فئة الأقزام الرياضية في ممارسة الرياضة، وكيفية تطبيق خطط التطوير المستندة إلى أسلوب “جيمبا كايزن”، إلى جانب تقديم توصيات عملية لصناع القرار والمؤسسات الرياضية لدعم هذه الفئة ومساندتها نفسيًا واجتماعيًا ورياضيًا.

جاء نص الحوار كالتالي:
س: ما الدافع وراء اختيار موضوع رياضات الأقزام ليكون محور دراستك؟
ج: من خلال الاحتكاك بفئة الأقزام خلال فترة العمل كمساعد مدير بطولات كرة القدم، يتضح وجود مواهب عملاقة غير منظورة ومهمشة، رغم امتلاكها قدرات وإمكانيات تؤهلها لتكون ضمن أبرز الناجحين من ذوي الإعاقة، أمثلة على ذلك البطل محمد المنياوي، الحاصل على الميدالية الذهبية في باريس 2024 في رفع الأثقال، والكابتن عماد مدبولي، بطل السباحة، والكابتن ياسمين في الريشة الطائرة.
بالإضافة إلى جانب ذلك، منتخب مصر لكرة القدم للأقزام يضم مواهب قادرة على حصد لقب أفضل فريق عالمي بين أقرانهم، والعديد من المواهب في الألعاب المختلفة تحتاج إلى الدعم والمساندة.
س: كيف تقيّم واقع رياضات الأقزام في مصر حاليًا؟
ج: أن فئة الأقزام الرياضية حتى الآن تستخدم قدراتهم ولا توجد منظومة موسعة تعمل على إبراز مهاراتهم وقدراتهم وتسليط الضوء على إنجازاتهم.
س: هل توجد إحصائيات دقيقة عن عدد ممارسي رياضات الأقزام أو الأندية الداعمة لهم في مصر؟
ج: توجد إحصائية رسمية، إلا أن الأقزام، على خلاف ذوي الإعاقة والفئات الأخرى، يواجهون نظرة مجتمعية مختلفة. وتشير البيانات إلى أن عدد اللاعبين الممارسين لرياضات الأقزام في جمهورية مصر العربية يصل إلى 120 لاعبًا ولاعبة، وهو عدد قليل جدًا مقارنة بإجمالي عدد الأقزام في البلاد. كما يبلغ عدد الأندية الداعمة 22 ناديًا مسجلًا باللجنة البارالمبية المصرية. وعليه، فإن إبراز الصورة المشرقة للاعبين الموثقين في الإحصائيات قد يسهم في زيادة أعداد المشاركين إلى مستويات غير متوقعة.
س: ما أبرز التحديات التي تواجه هذه الفئة داخل المنظومة الرياضية؟
ج: غياب البطولات المحلية المنتظمة يمثل أحد أبرز العوائق التي تحد من إبراز قدرات لاعبي الأقزام، إلى جانب نقص الدعم الإعلامي، وضعف الإمكانيات المادية في أغلب الأندية، باستثناء نادي واحد فقط. هذا الوضع يؤدي إلى تعطيل منظومة كرة القدم للأقزام لسببين رئيسيين: الأول، عدم قدرة الأندية على مجاراة النادي المهيمن ومواجهة التحديات والأعباء المالية، خاصة مع غياب أي مردود مادي على مشاركاتها. الثاني، نشوء فجوة بين اللاعبين أنفسهم، حيث يتميز لاعبو النادي القادر على الصرف بينما يبقى باقي اللاعبين، رغم قدراتهم وإمكانياتهم، بلا دعم أو سند.
س: ما المقصود بأسلوب “جيمبا كايزن” وكيف تم توظيفه في تطوير رياضات الأقزام؟
ج: أسلوب “جيمبا كايزن” الياباني للتحسين المستمر التدريجي داخل ميدان العمل، يُعد من الأساليب الحديثة في توظيفه لرياضات ذوي الإعاقة، وحصل على إشادة كبيرة من المحكمين والخبراء في الإدارة الرياضية ورياضات الأقزام. وتم توظيف هذا الأسلوب في وضع خطة لتطوير رياضات الأقزام في جمهورية مصر العربية، مبنية على أساس علمي وإداري سليم وقابل للتنفيذ، ارتكز على نتائج فعلية تم الحصول عليها من تقييم الواقع الفعلي لرياضات الأقزام في مصر.
س: ما أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة؟
ج: غياب رسالة واضحة للجنة رياضات الأقزام يعكس التحديات الفعلية المتعلقة بعدد الممارسين وتنوع الألعاب، كما يبرز غياب أهداف محددة لدعم اللاعبين مادياً وتقليل أسباب العزوف الرياضي، إلى جانب ندرة البرامج والمبادرات لنشر رياضات الأقزام على مستوى الجمهورية. ويُعتبر التعاون بين الأسرة والهيئات الرسمية عاملاً أساسياً في تذليل العقبات أمام اللاعبين، بينما غياب موقع إلكتروني مخصص لرياضات الأقزام يحد من وصول المعلومات للجمهور.
الاهتمام الإعلامي يمثل عاملًا مؤثرًا في زيادة متابعة الجمهور لأنشطة رياضات الأقزام، كما أن وجود اتفاقيات تعاون مع منظمات دولية يسهم في تطوير هذه الرياضات، وانتشار البطولات البارالمبية عالمياً يعزز مشاركة الأقزام في المنافسات الدولية. في المقابل، تؤثر هجرة اللاعبين المتميزين سلباً على مستوى المنتخبات الوطنية وقدرتها على المنافسة.
س: كيف يمكن تطبيق الخطة المقترحة على أرض الواقع؟
ج: الخطة المقترحة لرياضات الأقزام في مصر بسيطة وتتوافق مع الواقع الفعلي للرياضة بين هذه الفئة، وتحتاج إلى فريق عمل يتم تدريبه بشكل سليم على أسلوب “جيمبا كايزن” لقدرته على التعامل والتنفيذ بما يخدم المنظومة ككل ويقلل الهدر في الوقت والجهد والمال. ويتمنى الباحث من لجنة رياضات الأقزام باللجنة البارالمبية تبني هذه الخطة والعمل على تنفيذها.

س: ما دور المؤسسات الرياضية والحكومية في دعم رياضات الأقزام؟
ج: رغم الدعم الذي أبداه الرئيس لرياضات ذوي الإعاقة، وخاصة فئة الأقزام بعد ضمهم إلى رياضات ذوي الإعاقة وفقاً للقانون رقم 10 لسنة 2018، وضمهما للجنة البارالمبية المصرية المسؤولة عن رياضات ذوي الإعاقة، إلا أن هذه الفئة لا تزال تحتاج إلى الكثير من الدعم. وينبغي للمؤسسات الرياضية البحث والتنقيب عنهم، نظراً لمعاناتهم من نظرة مجتمعية صعبة تجعلهم يفضلون البقاء في المنزل وتجنب الاحتكاك المجتمعي. ويؤكد الباحث على أهمية تذليل العقبات أمامهم وتقديم الدعم اللازم، لأنهم يمتلكون مواهب عديدة تحتاج إلى إتاحة الفرصة للظهور والتألق.
س: هل هناك نماذج دولية ناجحة يمكن لمصر الاستفادة منها في هذا المجال؟
ج: استطاعت مصر تحقيق تقدم ملموس في مجال رياضات الأقزام على مستوى بعض الدول العربية والإفريقية، إلا أنه لا يمكن تجاهل وجود دول أخرى مثل البرازيل والأرجنتين والمغرب، التي نجحت من خلال مؤسساتها وحكوماتها في بناء كيان وهوية واضحة لرياضات الأقزام. ويشير الباحث إلى أن حصول لجنة رياضات الأقزام في مصر على دعم مماثل كان من شأنه أن يمنح مصر القدرة على تحقيق الريادة عالمياً في هذا المجال.
س: ما أهمية هذه الدراسة في تحقيق العدالة الرياضية ودمج الفئات الخاصة؟
ج: تهدف الدراسة إلى تنظيم العملية الإدارية لرياضات الأقزام ووضع خطة علمية وأكاديمية واضحة، تشمل برامج تدريبية موجهة للمدربين والإداريين والعاملين، لتعزيز قدرتهم على التعامل الفعّال مع هذه الفئة وتحقيق أقصى استفادة ممكنة. كما تتضمن الدراسة برامج إعداد نفسي واجتماعي للاعبين، وبناء هوية رياضية تسهم في جذب الرعاة والمستثمرين، بما يرفع مستوى الدعم المقدم ويعزز من فرص التطوير والتميز لرياضات الأقزام في مصر.
س: كيف تسهم رياضات الأقزام في تحسين جودة حياة الممارسين نفسيًا واجتماعيًا؟
ج: الرياضة تمثل المنفذ الرئيسي لفئة الأقزام في مصر، حيث تميل الغالبية إلى ممارسة كرة القدم التي تحظى بشعبية واسعة بينهم. ورغم ذلك، يحتاج اللاعبون إلى تنويع الألعاب لتتناسب مع إمكانياتهم وقدراتهم بحسب نوع الإعاقة. تعتبر الرياضة بالنسبة لهم بمثابة “جنة الدنيا”، لما تمنحه من ثقة بالنفس وقدرة على مواجهة المجتمع وتحدي الصعاب.
س: ما أبرز التوصيات التي خرجت بها الدراسة؟
ج: توصيات موجهة للجنة البارالمبية المصرية ولجنة رياضات الأقزام
طالبت الدراسة باعتماد رؤية وأهداف ورسالة واضحة لرياضات الأقزام، ترتكز على التطوير المستدام والتحسين المستمر. وأكدت على ضرورة إعداد خريطة تنظيمية تحدد الأدوار والمسؤوليات وخطوط الاتصال لضمان التنسيق الفعال، بالإضافة إلى تخصيص ميزانية لدعم تطبيق برامج التحسين المستمر وتغطية المتطلبات التشغيلية للبطولات والفعاليات. كما شددت على إعداد لائحة تنظيمية تتضمن الحقوق والواجبات وآليات التسجيل والانضباط، وإنشاء آلية لإدارة المخاطر المتعلقة بالأحداث والظروف الطارئة لضمان استدامة تنفيذ الخطط والأنشطة.
فيما يخص لجنة رياضات الأقزام، أوصت الدراسة بالاستعانة بالخطة المقترحة لتطوير هذه الرياضات في مصر، وصياغة أهداف قابلة للقياس تتضمن مؤشرات لتوسيع قاعدة الممارسة ورفع جودة الأداء. كما دعت إلى تطبيق منهج التحسين التدريجي من خلال اجتماعات دورية تضم جميع الأطراف المعنية، وتفعيل برامج إعداد نفسي منتظمة للاعبين مع توفير أخصائي نفسي رياضي متخصص. وأشارت الدراسة إلى أهمية تأسيس هوية بصرية وإنتاج محتوى رقمي وبناء قاعدة بيانات للرعاة والداعمين لتعزيز التمويل، بالإضافة إلى تحليل الألعاب الحالية وتحديد أسباب ضعف الإقبال، وتجربة ألعاب جديدة مناسبة وتقييم الإقبال عليها لضمان تطوير مستمر للرياضات.
س: هل ترى أن هناك وعيًا كافيًا في المجتمع تجاه رياضات الأقزام؟
ج: للأسف، تعاني رياضات الأقزام في مصر من نقص الدعم الكافي للأنشطة الرياضية والبرامج المختلفة، ما يحد من انتشارها وتوسعها داخل المجتمع، ويعيق إبراز القيمة الحقيقية للأبطال الذين يمتلكون طاقات هائلة من الإبداع والتألق.
س: ما الخطوات المطلوبة لنشر هذه الرياضات بشكل أوسع في مصر؟
ج: يشكل الدعم المؤسسي ووضع خطة متكاملة للأنشطة والبطولات المتوافقة مع الإمكانيات المتاحة عاملاً أساسياً للحفاظ على استمرارية رياضات الأقزام لأقصى مدة ممكنة، إلا أن ذلك يتطلب في المقام الأول توحيد أهداف جميع المعنيين من مؤسسات وهيئات وأفراد، بحيث تركز الجهود حصريًا على خدمة هذه الفئة دون أي أغراض شخصية أخرى.

س: هل يمكن أن تمهد هذه الدراسة لإدراج رياضات الأقزام ضمن البطولات الرسمية بشكل أكبر؟
ج: نعم، وينبغي النظر إلى الأقزام بعين المستكشف المبدع، باعتبارهم أصحاب قدرات ومهارات خاصة، فليس كل الكنوز مخفية تحت الأرض، فهناك كنوذ تسير فوق الأرض تنتظر من يكتشف قيمتها ويبرز إمكانياتها.
س: ما رسالتك للشباب من فئة الأقزام الراغبين في ممارسة الرياضة؟
ج: يجب أن يُرى الأقزام ككتلة واحدة، فالتفرق يُضعفهم، وتوحيد الهدف يبرز إبداعهم أمام الجميع. كما يجب فتح الباب أمام أقرانهم المستترين خلف الأبواب المغلقة ليتمكنوا من استعراض قدراتهم ومواهبهم.
