أقسام جامعية مهددة بالغلق.. في ظل تزايد أعداد خريجي الجامعات مقابل محدودية الفرص المتاحة في سوق العمل، تتصاعد التساؤلات حول مصير عدد من الأقسام الجامعية التي أصبحت مهددة بالغلق نتيجة ضعف الإقبال عليها أو تراجع جدواها الوظيفية.
وتفتح هذه الأزمة الباب أمام نقاش أوسع حول كفاءة الخريطة التعليمية الحالية، ومدى توافقها مع احتياجات سوق العمل المتغيرة، خاصة في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة وظهور تخصصات جديدة تفرض نفسها بقوة.
ومع تحرك المجلس الأعلى للجامعات لتشكيل لجان متخصصة داخل الجامعات لدراسة أوضاع البرامج الدراسية وإعادة هيكلتها، يبرز تساؤل مهم: هل يكون الحل في إلغاء هذه الأقسام أم تطويرها ودمجها في برامج أكثر حداثة؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الحفاظ على التخصصات الأكاديمية وتلبية متطلبات سوق العمل؟ في هذا التقرير، نستعرض رؤى عدد من عمداء الكليات والخبراء حول آليات التعامل مع هذه الأزمة، ومستقبل الأقسام المهددة بالغلق، ومصير الطلاب المقيدين بها.

عميد حقوق العاصمة: الأقسام المهددة بالغلق تحتاج إعادة هيكلة لا إلغاء عشوائي.. والتطوير سيُطبق على الدفعات الجديدة فقط
قالت الدكتورة أمل لطفي، عميد كلية الحقوق بجامعة العاصمة (حلوان سابقًا) والمشرفة على برنامج الدراسات القانونية باللغة العربية في جامعة حلوان الاهلية، في تصريحات خاصة لـ”في الجامعة”، إن ظاهرة وجود أقسام جامعية مهددة بالغلق بسبب ضعف الإقبال أو محدودية فرص العمل، تعكس في جوهرها حاجة بعض الكليات إلى إعادة هيكلة شاملة، خاصة في ظل تشابه عدد من الأقسام العلمية بين كليات مختلفة تقدم نفس التخصصات.
وأوضحت أن هذا التكرار، كما هو الحال بين كليات التربية والآداب والخدمة الاجتماعية، أو بين الاقتصاد المنزلي والفنون التطبيقية، وكذلك بين الاقتصاد والعلوم السياسية والتجارة، يؤدي إلى تكدس الطلاب في كليات بعينها مقابل عزوف عن أخرى، رغم تشابه المحتوى العلمي، وذلك بسبب تفضيلات سوق العمل لخريجي مسميات محددة.
وأكدت أن هذه الأزمة لا تعكس خللًا في تخطيط منظومة التعليم العالي بقدر ما ترتبط بشكل أساسي باحتياجات سوق العمل، الذي يُعد المعيار الحاكم في تحديد أعداد الطلاب بكل تخصص، وكذلك في رسم ملامح المقررات الدراسية والبرامج التعليمية، وأضافت أن تطوير العملية التعليمية يجب أن يتم من خلال استطلاع رأي شركاء سوق العمل محليًا ودوليًا، بما يضمن توافق مخرجات التعليم مع متطلباته.

وأشارت إلى أن تراجع الإقبال على بعض التخصصات يرجع إلى عدة أسباب رئيسية، في مقدمتها عدم التوازن بين احتياجات سوق العمل وقدرات الخريجين، إلى جانب وجود فجوة واضحة بين المحتوى النظري والتطبيق العملي، فضلًا عن عدم تحديث المقررات الدراسية بما يواكب التطورات الحديثة ومتطلبات التوظيف.
وفيما يتعلق بتأثير زيادة أعداد الخريجين، أوضحت أن تخريج أعداد تفوق احتياجات السوق أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة، وما ترتب عليه من آثار سلبية على المجتمع، من بينها توجه بعض الشباب للهجرة أو العمل في مجالات لا تتناسب مع تخصصاتهم، وهو ما يقلل من القيمة الفعلية للشهادة الجامعية المتخصصة.
وعن الحلول المقترحة، شددت على ضرورة أن تبدأ اللجان العلمية باستطلاع احتياجات سوق العمل بشكل دقيق، ثم العمل على دمج الأقسام المتشابهة داخل الكليات المختلفة، بما قد يستدعي إلغاء بعض الأقسام، كما أكدت أهمية تطوير المقررات الدراسية لتواكب المنافسة المحلية والدولية، مع التوسع في تدريس الدراسات البينية التي تتيح فرصًا أوسع للخريجين في مجالات متعددة.
وقالت عميد حقوق العاصمة إن الاتجاه إلى دمج بعض الأقسام أو إلغائها مطروح، خاصة في ظل الدعوات التي تنادي بضرورة إعادة هيكلة التخصصات المتشابهة، مشيرة إلى أن هذا التوجه يُعد محمودًا من حيث تقليل إهدار الوقت وسنوات الدراسة دون جدوى، فضلًا عن ترشيد النفقات التي تتحملها الدولة في الجامعات الحكومية.
وأوضحت أن تطبيق هذا الاتجاه قد يواجه معارضة من بعض أعضاء هيئة التدريس فيما يُعرف بـ”مقاومة التغيير”، مؤكدة أن التعامل مع ذلك يتطلب في البداية نشر ثقافة التغيير، ثم استطلاع آراء أعضاء هيئة التدريس المتخصصين، إلى جانب ضرورة أخذ رأي مجالس الأقسام العلمية ومجالس الكليات، لضمان مشاركتهم كشركاء أساسيين في عملية التطوير.
وأكدت أن الطلاب المقيدين حاليًا في هذه الأقسام لن يتأثروا بأي قرارات مستقبلية، نظرًا لاكتسابهم مراكز قانونية لا يجوز المساس بها، مشددة على أنهم سيستمرون في دراستهم حتى التخرج، على أن يتم تطبيق أي نظام جديد على الدفعات القادمة فقط، دون أثر رجعي.
كما لفتت إلى ضرورة إعادة تأهيل الخريجين الذين لم يحصلوا على فرص عمل، من خلال التنسيق مع شركاء سوق العمل لتحديد احتياجاتهم، وإبرام بروتوكولات تعاون تتيح فرص توظيف بعد اجتياز برامج تدريبية متخصصة، إلى جانب إعداد برامج تأهيلية لمدة عام لسد الفجوة بين الدراسة الأكاديمية ومتطلبات السوق.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن متطلبات سوق العمل تتغير بمرور الوقت، خاصة مع التطور التكنولوجي المتسارع وظهور مجالات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي، ما يجعل بعض الأقسام التي كانت مناسبة في السابق غير ملائمة حاليًا، إذا لم تواكب هذا التطور، وهو ما يستدعي مراجعة مستمرة للبرامج الأكاديمية لضمان توافقها مع احتياجات العصر.

عميد آداب سوهاج السابق: دمج الأقسام وتحويلها لبرامج حديثة الحل لإنقاذ التخصصات المهددة.. ولجان الجامعات خطوة حاسمة لرسم الخريطة
قال الدكتور كريم مصلح صالح، عميد كلية الآداب بجامعة سوهاج سابقًا، إن الدولة المصرية تسير وفق توجيهات رئاسية واضحة تستهدف ربط البرامج الدراسية باحتياجات سوق العمل، مشيرًا إلى أن قرار المجلس الأعلى للجامعات بتشكيل لجان متخصصة داخل كل جامعة يُعد خطوة مهمة نحو إعادة هيكلة الخريطة التعليمية بشكل أكثر توافقًا مع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.
وأوضح أن هذه اللجان تتولى إعداد دراسة شاملة للبرامج الدراسية القائمة، والعمل على مواءمتها مع متطلبات سوق العمل، وذلك من خلال التعاون مع مختلف الجهات المعنية والتنسيق بين القطاعات ذات الصلة داخل وخارج الجامعة، بما يسهم في تحقيق الأهداف المرجوة من تطوير المنظومة التعليمية.
وأضاف أن من بين مهام هذه اللجان أيضًا دراسة استحداث برامج وتخصصات جديدة، خاصة في المجالات البيئية والتكنولوجية المتقدمة، إلى جانب وضع مؤشر سنوي لقياس قابلية توظيف الخريجين، وإعداد تقارير ومراجعات دورية للبرامج الدراسية لضمان استمرارها وتوافقها مع التطورات العلمية واحتياجات سوق العمل.
وأشار إلى أن الجامعات بالفعل بدأت في تشكيل هذه اللجان لدراسة الوضع الراهن، بهدف الوصول إلى توازن حقيقي بين أعداد الخريجين ومتطلبات سوق العمل على المستويات المحلي والإقليمي والدولي.
وفيما يتعلق بالأقسام العلمية التي تعاني من ضعف الإقبال أو المهددة بالإغلاق، أكد أن هناك اتجاهين رئيسيين للتعامل مع هذه المشكلة؛ يتمثل الأول في تحويل القسم إلى برنامج علمي حديث يتماشى مع احتياجات سوق العمل، بينما يقوم الاتجاه الثاني على دمج بعض الأقسام المتقاربة في التخصص، مع تطوير مناهجها لتواكب التطورات العلمية الحديثة.
كما لفت إلى أهمية التوسع في إنشاء دبلومات نوعية وأكاديمية موجهة لخريجي الأقسام التي تعاني من ارتفاع معدلات البطالة، بهدف إعادة تأهيلهم ورفع كفاءتهم بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل.

عميد تربية أسيوط السابق: الحل ليس إغلاق الكليات بل إعادة تنظيم سياسات القبول.. واللجان وحدها لا تكفي للتطوير
قال الدكتور عادل النجدي، الأستاذ بكلية التربية جامعة أسيوط وعميد الكلية السابق، إن الدولة المصرية تولي اهتمامًا متزايدًا بضرورة ربط مخرجات التعليم العالي باحتياجات سوق العمل، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية التي تؤكد على أهمية تطوير البرامج الجامعية بما يتواكب مع متطلبات العصر، ويُسهم في إعداد خريجين قادرين على الالتحاق بوظائف المستقبل بكفاءة.
وأوضح أن المجلس الأعلى للجامعات بادر بتشكيل لجنة عليا برئاسة الدكتور السيد عبد الخالق، وزير التعليم العالي الأسبق، وعضوية نخبة من الخبراء، لدراسة أوضاع البرامج الدراسية القائمة والعمل على تطويرها، كما قامت الجامعات المختلفة بتشكيل لجان فرعية تتولى مراجعة هذه البرامج في ضوء التوجهات الحديثة ومتغيرات سوق العمل.
وأشار “النجدي” إلى أن جهود اللجان الجامعية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق التطوير المنشود، مؤكدًا ضرورة إشراك الكفاءات الوطنية وأصحاب الأعمال في عملية التحديث، إلى جانب الاعتماد على دراسات علمية دقيقة تستشرف احتياجات سوق العمل محليًا وإقليميًا ودوليًا، بما يضمن تصميم برامج دراسية تلبي تلك الاحتياجات وتواكب وظائف المستقبل.
وأضاف أن هناك عددًا من البرامج الدراسية التقليدية التي لم تعد تواكب التطورات المتسارعة، وتحتاج إلى تحديث عاجل، لافتًا إلى أن التوسع في أعداد المقبولين ببعض الكليات الإنسانية، إلى جانب بعض التخصصات الطبية خلال السنوات الماضية، أدى إلى حدوث فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
وأكد أن الحل لا يتمثل في إغلاق الكليات أو إلغاء الأقسام العلمية، وإنما في إعادة تنظيم سياسات القبول، من خلال خفض أعداد الطلاب المقبولين في كليات الآداب والتجارة والحقوق والتربية والخدمة الاجتماعية ومعاهدها بنسبة لا تقل عن 50%، مع ترشيد القبول في كليات مثل الطب والصيدلة والهندسة والعلاج الطبيعي، سواء في الجامعات الحكومية أو الخاصة، في ظل تشبع سوق العمل بهذه التخصصات، خاصة بعد ربط التعيين بالاحتياج الفعلي اعتبارًا من دفعة 2023.
وشدد على أهمية التوسع في استحداث برامج بينية حديثة تجمع بين أكثر من تخصص، مع التركيز على تنمية الجدارات والمهارات المهنية، وليس الاكتفاء بالمعرفة النظرية فقط، إلى جانب تطوير منظومة التدريب الميداني في مختلف التخصصات، بما يُسهم في تخريج طلاب يمتلكون خبرات تطبيقية حقيقية تؤهلهم لسوق العمل المتغير.
وفيما يتعلق بالطلاب الحاليين، أكد “النجدي” ضرورة اهتمامهم بتطوير مهاراتهم المهنية بشكل مستمر، وعدم الاعتماد على الشهادة الجامعية فقط كوسيلة للالتحاق بسوق العمل، مشيرًا إلى أن بعض الخريجين يتحملون تبعات عدم مواكبة بعض البرامج للتحديث نتيجة قصور في التطوير المؤسسي داخل بعض الجامعات.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن إصلاح منظومة التعليم الجامعي لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية تفرضها تحديات العصر، ولن يتحقق هذا الإصلاح إلا من خلال تكامل الجهود بين مؤسسات الدولة والجامعات وقطاعات الإنتاج، بما يضمن إعداد كوادر قادرة على الإبداع والمنافسة، والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

