قال الدكتور وائل كامل أستاذ بجامعة حلوان، إن الفترة الأخيرة شهدت تصاعدًا ملحوظًا في القيود المفروضة على أعضاء هيئة التدريس بالجامعات، حيث صدرت قرارات تمنعهم من نشر أي محتوى يخص الجامعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتجعل الرأي الأكاديمي أو المهني مشروطًا بالحصول على موافقة مسبقة من الإدارة، وهو ما لا يمكن اعتباره مجرد تنظيم إداري عادي، بل مساس مباشر بحقوق أساسية للأستاذ الجامعي.
وأضاف أن هذه الأزمة بدأت بقرار صادر عن رئيس إحدى الجامعات خلال عام ٢٠٢٤، قيد حرية الأستاذ الجامعي ومنعه من نشر أي محتوى يخص الجامعة، دون أن يحدد طبيعة هذا المحتوى أو يميز بين الرأي الأكاديمي المشروع، أو النقد البنّاء، أو تداول المعلومات العامة، وبين ما قد يُعد إفشاءً لأسرار، الأمر الذي خلق حالة من الغموض والاتساع في تفسير المنع.
أستاذ بجامعة حلوان: تقييد النشر على أعضاء هيئة التدريس يخالف الدستور
وأوضح أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل تطور مؤخرًا بصدور قرار عن المجلس الأعلى للجامعات تحت مسمى «دليل النزاهة الأكاديمية»، تضمن ضوابط وأخلاقيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لأعضاء هيئة التدريس، بما وفر غطاءً مؤسسيًا لهذه القيود، وحولها من قرارات محلية محدودة إلى سياسة عامة مطبقة على مستوى الجامعات كافة.

وأشار إلى أنه بهذا الترتيب لم نعد أمام قرار فردي أو إجراء استثنائي، بل أمام سلسلة متكاملة من الإجراءات التي تفرض رقابة مسبقة على ما ينشره الأستاذ الجامعي، وهو ما يثير قلقًا بالغًا بشأن مدى احترام الدستور المصري، وحماية الحرية الأكاديمية، واستقلال الجامعات.
وأكد أن الدستور المصري الصادر عام ٢٠١٤ وضع قواعد واضحة لا تحتمل التأويل في هذا الشأن، حيث نصت المادة (٦٥) على أن حرية الفكر والرأي مكفولة، ولكل شخص الحق في التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير، وهو ما يعني أن الأصل هو الحرية، وأي تقييد يجب أن يكون استثناءً محددًا بقانون واضح، وليس بقرارات إدارية عامة أو تعليمات فضفاضة.
قرارات تقييد النشر على أساتذة الجامعات تثير الجدل
وتابع أن القرارات الأخيرة قلبت هذا الأصل الدستوري، وجعلت التعبير استثناءً يحتاج إلى إذن مسبق من الإدارة، وهو ما لا يسمح به الدستور، ويمثل انتهاكًا صريحًا لحرية الرأي والتعبير.
وأضاف أن المادة (٢٣) من الدستور نصت بوضوح على أن الدولة تكفل حرية البحث العلمي وتشجع مؤسساته، موضحًا أن حرية البحث العلمي لا تقتصر على إجراء الدراسات داخل المعامل أو قاعات المحاضرات، بل تشمل نشر المعرفة، وتبادل الأفكار، والمشاركة في النقاش العلمي والمجتمعي، بما في ذلك عبر المنصات الرقمية.

وأوضح أن منع الأستاذ الجامعي من نشر محتوى علمي أو تعليمي، أو مناقشة قضايا تتعلق بالجامعة أو منظومة التعليم العالي، يُعد تقييدًا مباشرًا لحرية البحث العلمي، وتتعارض مع الدور المجتمعي والعلمي للأستاذ الجامعي.
تفاصيل قيود جديدة على أعضاء هيئة التدريس بالجامعات
وأشار إلى أن المادة (٢١) من الدستور أكدت استقلال الجامعات ومراكز البحث العلمي بما يضمن حرية البحث والإبداع الأكاديمي، لافتًا إلى أن هذا الاستقلال ليس إداريًا فقط، بل فكري وأكاديمي في المقام الأول، وأن منح الإدارة سلطة الرقابة المسبقة على آراء أعضاء هيئة التدريس يُفرغ هذا الاستقلال من مضمونه.
وأكد أن المادة (٩٣) من الدستور تلزم الدولة بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها، والتي لها قوة القانون، ما يعني ضرورة توافق أي قرارات إدارية مع التزامات مصر الدولية في مجال حماية الحريات الأكاديمية.
وأوضح أن مصر ملتزمة بعدد من الاتفاقيات الدولية التي تحمي حرية الأستاذ الجامعي، من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي كفل حرية التعبير وتلقي ونقل المعلومات، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي أكد الحق في التعليم والمشاركة في الحياة العلمية والثقافية.
وأضاف أن توصية اليونسكو لعام ١٩٩٧ بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي نصت صراحة على أن الحرية الأكاديمية تشمل حق الأستاذ الجامعي في التعبير عن رأيه بشأن مؤسسته والنظام التعليمي دون خوف من عقوبات، كما شدد إعلان ليما حول الحرية الأكاديمية على رفض إخضاع أعضاء هيئة التدريس للرقابة الإدارية بسبب آرائهم.
واختتم الدكتور وائل كامل تصريحاته بالتأكيد على أن هذه القرارات لا تمثل مجرد تنظيم إداري، بل تُعد تقييدًا حقيقيًا لحقوق وحريات محمية دستوريًا ودوليًا، وتهدد جوهر فكرة الجامعة كمكان للعلم والنقاش الحر، مشددًا على أن الأستاذ الجامعي ليس مجرد موظف، بل صاحب رسالة علمية ومجتمعية، وأن تقييد صوته لا يضر به وحده، بل يضعف الجامعة ويبعدها عن المجتمع ويقضي على فرص النقد البنّاء وإنتاج الأفكار الحرة.

