رأيك

الدكتور جميل زيدان يكتب: مصر الركيزة الإستراتيجية للسلام في الشرق الأوسط

الدكتور جميل زيدان أستاذ الفيروسات والامراض المعدية بجامعة القاهرة
الدكتور جميل زيدان أستاذ الفيروسات والامراض المعدية بجامعة القاهرة

في تاريخ الشرق الأوسط المضطرب، كثيرًا ما بدت اللحظات الفاصلة وكأنها مستحيلة التحقق، لكنها عندما حدثت غيّرت مسار المنطقة بأكملها. وكانت مصر في قلب العديد من تلك اللحظات التاريخية. ففي عام 1973، أثبتت مصر أن الإرادة الوطنية قادرة على تغيير موازين القوى عندما عبرت قواتها قناة السويس في حرب أكتوبر، لتعيد رسم معادلات الصراع في المنطقة. وبعد سنوات قليلة فقط، فاجأ الرئيس المصري الراحل انور السادات العالم بزيارته التاريخية إلى القدس، في خطوة غير مسبوقة فتحت الباب أمام الدبلوماسية في منطقة طالما حكمتها الحروب.

الدكتور جميل زيدان يكتب: مصر الركيزة الإستراتيجية للسلام في الشرق الأوسط

هذان الحدثان الحرب والسلام كشفا حقيقة أساسية مفادها أن مصر تمتلك قدرة فريدة ليس فقط على خوض الصراعات، بل على تحويلها إلى فرص للاستقرار، واليوم يقف الشرق الأوسط مرة أخرى على حافة تصعيد خطير. فالعنف المستمر، والاستقطاب السياسي، وتصاعد التوترات الإقليمية، كلها عوامل تهدد بإشعال صراع أوسع قد تمتد آثاره إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبرز الحاجة الملحة إلى دور إقليمي متوازن قادر على تهدئة التوترات وفتح مسارات للحوار والدبلوماسية.

فمصر ليست مجرد دولة أخرى في المنطقة، بل تمثل أحد أعمدة الاستقرار الإقليمي. فبفضل خبرتها الدبلوماسية الطويلة، وموقعها الجغرافي الذي يربط بين إفريقيا وآسيا والبحر المتوسط، وتاريخها في الوساطة بين الأطراف المتنازعة، أثبتت مصر مرارًا قدرتها على فتح قنوات الحوار عندما تتعثر جميع المسارات الأخرى.

لكن مسؤولية استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن تقع على عاتق دولة واحدة. فالمرحلة الحالية تتطلب تنسيقًا حقيقيًا بين القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية. فهذه الدول تمتلك من الثقل السياسي والاقتصادي والاستراتيجي ما يؤهلها لتشكيل محور إقليمي قادر على احتواء الأزمات ووقف التصعيد وإعادة المنطقة إلى مسار الدبلوماسية والحوار.

إن تكلفة الفشل في هذه المهمة ستكون باهظة. فالتصريحات المتطرفة، والخطابات السياسية الاستفزازية، والسياسات قصيرة النظر، ساهمت خلال السنوات الأخيرة في تغذية دوامات العنف وزيادة معاناة الشعوب. وإذا لم تظهر قيادة إقليمية مسؤولة وقادرة على التدخل بحكمة، فإن المنطقة قد تنزلق إلى مواجهات أوسع تهدد الأمن الإقليمي والاستقرار العالمي.

وفي قلب هذه الأزمات تبقى القضية الفلسطينية مفتاح الاستقرار في الشرق الأوسط. فلا يمكن تحقيق سلام حقيقي ودائم دون التوصل إلى حل عادل وشامل يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ويظل الإجماع الدولي قائمًا على أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، تمثل الطريق الأكثر واقعية نحو سلام مستدام في المنطقة.

كما أن وقف التصعيد العسكري في المنطقة، بما في ذلك النزاعات المتزايدة والتوترات بين القوى الإقليمية والدولية، يمثل ضرورة إنسانية وسياسية عاجلة. فتهدئة الصراعات ووقف دوامة العنف لا يهدفان فقط إلى حماية المدنيين، بل أيضًا إلى تهيئة الظروف اللازمة لاستئناف المسارات السياسية والدبلوماسية. وقد أثبتت الجهود الدبلوماسية المصرية في أكثر من محطة قدرتها على خلق مساحات للتهدئة وفتح قنوات للحوار، وهو ما يعكس الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه القاهرة في قيادة جهود الاستقرار الإقليمي.

وفي هذا السياق، تبرز فرصة تاريخية أمام قادة المنطقة، وعلى رأسهم الرئيس المصري والرئيس التركي وولي عهد المملكة العربية السعودية، لبلورة رؤية إقليمية جديدة تقوم على التعاون الدبلوماسي والعمل المشترك من أجل إنهاء الصراعات وبناء منظومة إقليمية أكثر استقرارًا.

الدكتور جميل زيدان يكتب: مصر الركيزة الإستراتيجية للسلام في الشرق الأوسط
الدكتور جميل زيدان أستاذ الفيروسات والامراض المعدية بجامعة القاهرة

غير أن السلام في الشرق الأوسط لا يقتصر فقط على إنهاء الحروب التقليدية، بل يتطلب أيضًا معالجة التحديات الاستراتيجية طويلة المدى، وفي مقدمتها قضية الأمن النووي. فبينما يؤكد المجتمع الدولي على أهمية منع انتشار الأسلحة النووية، فإن تحقيق توازن حقيقي في الأمن الإقليمي يقتضي مقاربة شاملة تشمل جميع دول المنطقة دون استثناء.

إن إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وهو هدف طالما طُرح في المحافل الدولية، يمكن أن يشكل خطوة أساسية نحو بناء الثقة المتبادلة وتعزيز الاستقرار الإقليمي. وفي الوقت ذاته، يجب احترام حق الدول في التطور العلمي والتكنولوجي، بما في ذلك الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، في إطار القوانين والاتفاقيات الدولية.

يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: فإما أن يستمر في دوامة الصراعات التي استنزفت شعوبه لعقود طويلة، أو أن يختار طريق التعاون والدبلوماسية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.

كما أن استقرار المنطقة ليس مسألة إقليمية فحسب، بل قضية ذات تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي، إذ تنتج دول الشرق الأوسط ما يقرب من 30٪ من إمدادات النفط والغاز العالمية. ومن ثم فإن أي تصعيد واسع النطاق قد ينعكس بشكل مباشر على أمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد الدولي.

لقد أثبت التاريخ أن التحولات الكبرى في المنطقة لا تأتي غالبًا نتيجة ضغوط خارجية، بل عندما تتبنى القوى الإقليمية نفسها مسؤولية صياغة مستقبلها المشترك.

وقد فعلت مصر ذلك من قبل؛ فقد كسرت حواجز الحرب وفتحت أبواب السلام. واليوم، وفي لحظة إقليمية دقيقة، قد تكون مصر مرة أخرى بالتعاون مع شركائها الإقليميين قادرة على إغلاق صمام الحرب وفتح الطريق أمام شرق أوسط أكثر أمنًا واستقرارًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *