أخبار الجامعات

“بين الفاصلة والفكرة”.. أزمة تقييم البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي

IMG 0621 البحث "بين الفاصلة والفكرة".. أزمة تقييم البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي موقع في الجامعة
نوران عسكورة

أكد الدكتور محمود أحمد محمود عبدالعليم أستاذ التوليد وأمراض النساء ومدير وحدة أخلاقيات البحث العلمي، أن مراجعة الأبحاث والرسائل العلمية في كثير من المؤسسات الأكاديمية أصبحت تعاني من انحرافٍ عن جوهرها الحقيقي، إذ تحول التركيز من فهم الفكرة وتقدير الجهد العلمي إلى البحث عن الأخطاء الشكلية من فاصلةٍ غير موضوعة أو نقطة في غير مكانها، ومع أنّ الدقة اللغوية والإخراج المتقن عنصران أساسيان في الكتابة العلمية، إلا أنّ تضخيم أهميتهما على حساب العمق الفكري والمنهجية البحثية يُضعف من جودة العملية التعليمية والبحثية على حد سواء.  

وأضاف: “ينظر بعض المراجعين إلى الرسالة أو البحث من زاويةٍ ضيقة، فيتعاملون معه وكأنه مادةٌ للتدقيق اللغوي لا وثيقة تُقيَّم على أساس الفكرة، والهدف، والمنهج، والتحليل، وهذا الأسلوب لا يقدّر الإبداع العلمي ولا يشجّع النقد البنّاء، بل يدفع الباحثين إلى التركيز على الشكل أكثر من المضمون، فيفقد البحث هدفه الأساسي: إضافة معرفة جديدة أو طرح رؤية مبتكرة”.  

وتابع: “التقييم الحقيقي يجب أن يركز على مدى أصالة الفكرة، ووضوح الإشكالية البحثية، وسلامة المنهج المستخدم، وعمق التحليل ووجاهة النتائج، إنّ المراجع العلمي الحقيقي هو من يقرأ بعقلٍ ناقد، يسعى لاكتشاف ما يضيفه الباحث، ويطرح الأسئلة التي تُطوّر الفكرة، لا تلك التي تقيّدها بالشكل اللغوي فقط، فالنقد البنّاء ليس في ذكر الأخطاء فحسب، بل في إعادة توجيه التفكير نحو نقاط القوة والقصور في المضمون، بما يتيح للباحث تطوير عمله لا إحباطه”.  

وعلق: “و في الأونة الاخيرة و مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي في المجال الأكاديمي، أصبح بإمكان الباحث اختصار الوقت والجهد المبذول في جوانب الصياغة والتنظيم دون الإخلال بجوهر العمل العلمي، فهذه الأدوات – متى ما استُخدمت بوعي ومسؤولية – تُعين الباحث على تحسين أسلوب الكتابة الأكاديمية، وضبط اللغة، وتنسيق المراجع وفق المعايير العالمية، وتقديم مسودات أولية للملخصات أو أجزاء من الإطار النظري تساعد على بلورة الفرضيات وصياغة النص العلمي بدقة ووضوح و ذلك مع الوضع في الاعتبار تقليل الزمن المستغرق في كتابة المسودات الأولى، ويتيح للباحثين تركيزًا أكبر على التحليل والتفكير العميق بدلاً من الانشغال المطول بالتنسيق اللغوي والشكل الخارجي للنص”.

واستكمل: “ولا يُقصَد بذلك أن تحلّ الآلة محلّ الباحث في التفكير أو التحليل أو توليد الفكرة العلمية، بل أن تكون أداة مساعدة تمنحه الوقت الكافي للتفرغ للقيمة الفكرية والابتكارية في البحث، وتشير الأطر المقترحة للكتابة التعاونية بين الإنسان والآلة في الوسط الأكاديمي إلى أن التكامل الأمثل يتحقق عندما يستخدم الباحث الذكاء الاصطناعي في المهام الروتينية – كإعادة الصياغة، والفحص اللغوي، واقتراح بناء منطقي للفقرات – مع احتفاظه التام بملكية الأفكار، وصياغة النتائج، وتحديد الاستنتاجات العلمية”. 

وتابع: “وهنا يبرز دور المراجع العلمي الواعي في تشجيع الطلاب والباحثين على توظيف هذه التقنيات لتعزيز الكفاءة الأكاديمية، مع التأكيد في الوقت نفسه على مسؤوليتهم الأخلاقية والعلمية عن كل ما يقدَّم من محتوى، فمثلًا في الدراسات الطبية يقوم الباحث و فريق الإشراف بالبحث عن نقطة بحثية جديده (وذلك باستخدام آليات الذكاء الاصطناعي المتاحة شرعًا و قانونًا على منصات دور النشر العالمية و المتاحة داخل بنك المعرفة المصري – كنز مصر الحقيقي) ثم يقومون (العنصر البشري فقط) بوضع تصميم البحث (هيكلة التطبيق) ثم التنفيذ (العنصر البشري فقط) ثم الكتابة (الشراكة بين اليات الذكاء الاصطناعي و العنصر البشري) ثم يقومون  (العنصر البشري فقط) بصياغة الرسالة والتقارير و الابتكار والإخراج الفني و النشر (الذكاء الاصطناعي)”.

وأردف: “أي أن الذكاء الاصطناعي يتولى المهام التقنية الروتينية ليتركز الإنسان على الابتكار الطبي والتفسير العلمي، يمكن إضافته مباشرة إلى فقرة الذكاء الاصطناعي في المقالة لتعزيز الجانب التطبيقي في الدراسات الطبية، يتطلب إصلاح هذه الإشكالية تغييرًا في الثقافة الأكاديمية ذاتها، بحيث يُعاد تعريف دور المراجع من “مكتشف الأخطاء” إلى “شريك في تطوير الفكرة”، كما يجب أن يترافق ذلك مع تدريب المراجعين على أسس النقد العلمي ومهارات قراءة البحث قراءة تحليلية نقدية تقوّم المحتوى لا الشكل فقط، إلى جانب توعية الباحثين بكيفية الاستخدام الرشيد لأدوات الذكاء الاصطناعي بحيث تخدم جودة الفكرة ولا تستبدلها”.  

واستطرد: “إنّ تطوير الفكر البحثي يبدأ من تطوير طريقة تقييم البحوث نفسها، فعندما يُكافأ الباحث على عمقه الفكري وابتكاره العلمي، لا على سلامة علامات الترقيم وحدها، وعندما تُوظَّف أدوات الذكاء الاصطناعي لتوفير الوقت للتركيز على جوهر الرسالة العلمية لا على قشورها الشكلية، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو نهضة علمية قائمة على الفهم والإبداع لا على الشكل والإخراج”.

واختتم “عبدالعليم” حديثه قائلًا: “أتمنى أن نشجع الباحثين على الاستخدام الأمثل لأدوات الذكاء الاصطناعي في عمل ما يلزم أثناء البحث و الصياغة و أن يكون هذا المجال هو أحد الدورات التدريبية الاساسية للباحث قبل البدء في إعداد رسالته أو بحثه العلمي و أن يكون تعليم لغة “البرومبت” كتعليم اللغة العربية أو اللغات الاجنبية، و بدلًا من أن يحلف الباحث (كذبًا و العياذ بالله) و بدلًا من أن يضيع الأستاذ المراجع وقتًا ثمينًا في مراجعة النقطة و الفاصلة (عبثًا و العياذ بالله)، يفخر الفريق البحثي بقدرته على استخدام هذا الكائن الجديد (الذكاء الاصطناعي) في إنجاز بحثه و رسالته مع ضرورة الاطمئنان أثناء المناقشة الجادة للبحث على كفاءة و نضج و إلمام الباحث بما كتبه”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *