حوار – سوزان الجمال
في عصر تتسارع فيه التغيرات في عالم الفن والتصميم، وتنتشر فيه التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، يبرز السؤال: كيف يمكن للجامعات إعداد جيل من الفنانين والمصممين القادرين على المنافسة في سوق العمل؟ لذلك أجرى موقع “في الجامعة” حوارًا مع الدكتورة وئام المصري، مديرة برنامج الفنون والتصميم بجامعة شرق لندن بفرع مصر، تكشف فيه عن رؤية الجامعة لبرنامج الفنون، وطرق دمج الإبداع الأكاديمي بالتطبيق العملي منذ اليوم الأول، والتعامل مع تحديات العصر الرقمي، ليبرز الطالب الموهوب كفنان ومصمم في آنٍ واحد.
مديرة الفنون والتصميم بالجامعات الأوروبية في مصر
وتأتي أهمية الحوار مع مديرة برنامج الفنون والتصميم بالجامعات الأوروبية بمصر في وقت يشهد فيه قطاع الصناعات الإبداعية تحولًا كبيرًا، سواء على مستوى أدوات الإنتاج أو متطلبات التوظيف، حيث لم يعد الإبداع وحده كافيًا، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الطالب على فهم السوق، وإتقان التكنولوجيا، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات، من هنا تبرز تجربة الجامعة الأوروبية كنموذج يسعى إلى إعادة تعريف دراسة الفنون داخل مصر، من خلال الجمع بين الأساس الأكاديمي الصلب والانخراط المبكر في الواقع المهني.

ما الذي يجعل كلية الفنون بالجامعة الأوروبية مختلفة فعلاً وليس مجرد شعار دعائي؟
كلية الفنون بالجامعة الأوروبية تتشابه مع بعض الجامعات في أنها تمنح (Solo Degree) وهي درجة علمية من الخارج، وتحديدًا من University of East London، وهذا الأمر متاح أيضًا في جامعات أخرى في العاصمة الإدارية.
لكن ما يميز الفنون هنا حقًا، هو: طاقم التدريس (Staff) الذي يتكون من أساتذة أكاديميين وممارسين متخصصين في سوق العمل، مما يجعله مزيجًا مميزًا ينقل خبرات خاصة إلى الطلاب ويربطهم بشكل مباشر بسوق العمل واحتياجاته.
قوة البرامج الأكاديمية وتاريخ الجامعة: الارتباط بجامعة “إيست لندن” وتاريخها العريق الممتد إلى 125 سنة.
الأهم: الربط بسوق العمل منذ اليوم الأول: أكثر ما يميزنا هو “النهج” (Approach) الذي نتبناه، وهو ربط الطالب بسوق العمل منذ سنته الأولى:
مشروعات تجريبية: طلاب في السنة التمهيدية (Foundation) أدرجناهم في برنامج بالتعاون مع “جيمناي أفريقيا” (Gemini Africa) وUNFPA، حيث شاركوا في معسكر مغلق لإنتاج أفلام تجريبية.
احتكاك حقيقي بسوق العمل ومتطلباته: طالبة في أول فصل دراسي لها في التخصص قمنا بربطها بالسوق، وقامت بتصميم الهوية البصرية بالكامل (Corporate Identity) لـ “عربة طعام” موجودة فعليًا في الجامعة، وتقاضت أجرًا مقابل هذا العمل، وهذا يجعل الطالب قريبًا من السوق إلى جانب دراسته الأكاديمية.
المسابقات الوطنية: شاركنا بفرق مكوّنة من طلاب “الفنون والتصميم” وطلاب “علوم الحاسب” في مسابقة على مستوى جامعات مصر بالتعاون مع Grand Egyptian Museum، وتم اختيار فرقنا ضمن القائمة القصيرة، وقضوا ليلة في المتحف، ونجحوا خلال 24 ساعة في تطوير حلول تصميمية تدمج بين الفن والبرمجة (Coding).
ربما يكون هذا هو “سر تميزنا”؛ أننا جعلنا المسافة بين الطالب وسوق العمل قريبة جدًا، ودمجنا الفن بالتكنولوجيا والواقع العملي منذ اللحظات الأولى للدراسة.

هل ترين أن تدريس الفنون في مصر ما زال أسيرًا للمدارس التقليدية؟
لا، بالطبع لا من المؤكد أن الجامعات التي تعمل فعليًا بنظام (Dual Degree) أو بنظام الشهادة الواحدة، وتحديدًا فروع الجامعات الأجنبية الموجودة في مصر، تعمل بطريقة مختلفة تمامًا؛ لأنها تتبع المناهج المطبقة في الخارج.
الفرق بين المدارس التقليدية والإنجليزية: المدارس التقليدية محددة للغاية، وفيها مواد بعينها (رسم حر، رسم هندسي، طبيعة حية، طبيعة صامتة، تصميم).
مميزات التعليم التقليدي:
تجعل الطالب يتعمق في جزئية محددة ويمارسها بكثافة ليصل إلى مرحلة الاحتراف.
مميزات التعليم الإنجليزي:
تجعلك منفتحًا (Exposed) على مجموعة كبيرة من الممارسات الفنية والتقنيات، وتواكب التقنيات الموجودة في سوق العمل، فيكون هناك “مسح أفقي” للمهارات أكثر من المسح الرأسي.

كيف تتعامل الكلية مع تأثير الذكاء الاصطناعي على الفنون؟ وهل تعتبرينه تهديدًا للإبداع أم أداة جديدة للفنون؟
لا، بالطبع هو أداة جديدة للفنون، بل على العكس نحن نشجع الطلاب، لكن نوضح لهم كيفية استخدام الـ AI، وكيف يمكن أن يوفر لهم وسيلة تساعدهم في التخيل البصري (Visualization) السريع لما يرغبون في تنفيذه، وكيف يمكنهم تطوير (Develop) ذلك.
رؤية الكلية: فكرة تجاهل وجود الذكاء الاصطناعي غير واردة؛ فهو أداة لتحسين وتوسيع إمكانيات الإبداع.
التحكم: هو يفتح لك الطريق ويقوم الطالب بعد ذلك بتطوير الأفكار؛ الفنان والمصمم هو من يقود الذكاء الاصطناعي وليس العكس.


هل سوق العمل المصري قادر حاليًا على استيعاب خريجي كليات الفنون؟ وما مسؤولية الجامعة تجاه هذه الفجوة؟
نعم، بالطبع، لأن الفنون هي لغة تواصل بصري، وخريج كلية الفنون يستطيع العمل في العديد من التخصصات، فالصناعات الإبداعية مظلة واسعة جدًا، ومن الطبيعي أن سوق العمل المصري أو الدولي يستوعب هذه التخصصات، كما أن الشباب حاليًا يستطيعون تسويق وبيع أعمالهم بشكل رقمي (Digital)، وبالتالي لم يعد الأمر مقتصرًا على السوق المصري، بل امتد إلى السوق العالمي.

هل تفضلين تخريج فنان مبدع أم مصمم قابل للتوظيف؟ وأين تقف الكلية بين الخيارين؟
ما المقصود بـ “مصمم قابل للتوظيف”؟ ضعي في اعتبارك أن المصمم (الديزاينر) الجيد هو في الأساس فنان أيضًا، لكن أدواته مختلفة، الفنان يقوم بتنفيذ لوحات، وبكل بساطة يمكنه أيضًا العمل بالتصميم الجرافيكي (Graphic Design)، لكنه سيفعل ذلك من منظور مختلف عن الشخص الذي درس التصميم الجرافيكي.
من درس التصميم الجرافيكي قد تكون لديه “محددات” وقواعد أكثر، لكن التصميم يظل تحت مظلة “التواصل البصري” (Visual Communication)، فالفنان يتواصل بصريًا مع المتفرج من خلال لوحة، والمصمم يتواصل بصريًا مع المستهلك من خلال التصميم.

هل لديكم أرقام أو مؤشرات عن نسب توظيف الخريجين؟
لا توجد أرقام حاليًا لأننا لم نخرج دفعات بعد، فنحن في منتصف الطريق، ولدينا حاليًا طلاب في السنة الأولى تخصصًا، حيث نوفر سنة تأهيلية (Foundation) تليها ثلاث سنوات تخصص.
لكننا نؤهل الطالب منذ الآن، ونربطه بسوق العمل، ونفتح له آفاقًا عديدة؛ فعلى سبيل المثال، نعقد شراكات ومشاريع فنية بين طلاب الفنون وقسم الميديا (فيديو، فوتوغرافيا، سينما)، وأيضًا مع قسم الموضة (Fashion)، وفكرة التزاوج بين التخصصات هي ما يميز الصناعات الإبداعية في الجامعة الأوروبية عن غيرها.
كيف تتعامل الكلية مع الطالب الموهوب الذي قد يكون ضعيفًا أكاديميًا في المواد العادية؟
الميزة في التعليم الإنجليزي أنه لا توجد لدينا “مواد نظرية” بالمعنى التقليدي؛ فالمواد النظرية لا تعتمد على الامتحانات والحفظ، بل تقوم على المشاريع والمشاريع التطبيقية، وحتى في مواد مثل “النقد”، يكون التقييم من خلال “كتابة إبداعية” (Creative Writing) يقدمها الطالب على مدار العام، لذلك فإن المنهج يستوعب المبدع بمنتهى السهولة.

هل المصروفات الدراسية تناسب فعليًا الخدمات الفنية والمعامل والتجهيزات المقدمة؟
نعم، بالتأكيد، لدينا أفضل الاستوديوهات سواء على مستوى تخصص الميديا أو الفنون، والتجهيزات المعملية والاستوديوهات مجهزة بشكل احترافي بمعايير دولية.
هل فقد الفن رسالته في عصر السرعة ووسائل التواصل الاجتماعي؟ وأين يقع الطالب بين “التريند” والقيمة الحقيقية للفن؟
على العكس، لم يفقد الفن رسالته، أعتقد أن عصر السرعة والرقمنة (Digitalization) خلق حالة من “الحنين” إلى الفنون التقليدية والحرفة اليدوية، وربما يكون هذا العصر دافعًا للعودة إلى القيمة الفنية اليدوية.


