رغم مرور أكثر من نصف قرن على نصر أكتوبر المجيد، ما زال الحدث حاضرًا في وجدان المصريين جيلاً بعد جيل، لكن تبقى التساؤلات قائمة، كيف يعيش الشباب اليوم ذكرى لم يشهدوها بأنفسهم، وكيف تنتقل روح النصر من ذاكرة التاريخ إلى وعي الحاضر، ورغم اختلاف الوسائل وتبدّل الأزمنة، فإن روح أكتوبر ما زالت تلهم الأجيال الجديدة بقيم الإصرار والتحدي والانتماء.
ولأن طلاب الجامعات هم مرآة الجيل الحالي ونبض وعيه، التقى موقع “في الجامعة” بعدد من طلاب كليات مختلفة ليتحدثوا عن معنى أكتوبر بالنسبة لهم، وعن الطريقة التي يعيشون بها ذكرى النصر في زمنهم، بين ما درسوه في الكتب وما شاهدوه على الشاشات وما سمعوه في بيوت الأبطال.

كيف يعيش الجيل الجديد انتصارات لم يشهدها
قالت أميرة عماد طالبة بكلية الهندسة، إنه لو كانت تعيش في زمن حرب أكتوبر كانت تتمنى أن تشارك في المجال الطبي لمساعدة المصابين، موضحة أن دور الدعم الإنساني في أوقات الحرب لا يقل أهمية عن دور المقاتلين في الجبهة، وأضافت أن ما يلفت انتباهها في جيل أكتوبر هو “روح التعاون والإصرار على النجاح رغم كل التحديات”، مؤكدة أن الجيل الحالي يقدر يكمّل نفس الروح لكن في مجالات مختلفة، زي البحث العلمي أو التطوير التكنولوجي أو العمل التطوعي، لأن كل إنجاز بيخدم البلد هو شكل من أشكال النصر.

وأوضحت إيمان عمارة طالبة بكلية التربية، إنها ترى أن “روح أكتوبر” ما زالت موجودة بين الشباب، لكنها تظهر اليوم بشكل مختلف عن زمن الحرب، وأضافت: “روح أكتوبر مش لازم تبان في الحرب والسلاح زي جيل 73، لكنها بتبان في مواقف الحياة اليومية اللي فيها إصرار وتحدي وانتماء، لما شاب يبدأ مشروع صغير بإمكانيات بسيطة ويفضل مكمل رغم الصعوبات دي روح أكتوبر.

ذكرى أكتوبر بنسبة للطلاب
وأضافت طالبة بكلية التربية الرياضية: “لما بنت تواجه المجتمع وتكمل تعليمها أو تحقق حلمها رغم العقبات دي كمان روح أكتوبر، كمان لما الناس تتعاون وقت أزمة، أو يقفوا مع بعض في مشكلة، أو يساعدوا غيرهم بدون مقابل، دي نفس الروح اللي انتصرت سنة 73، ولما نشوف شباب بيفكروا في بلدهم وعايزين يطوروها بدل ما يكتفوا بالنقد ده امتداد حقيقي لروح النصر.”

وأشارت آية عاشور طالبة بكلية التربية النوعية، إلى أنها تشعر بالفخر والاعتزاز كلما تسمع عن نصر السادس من أكتوبر، قائلة: “اليوم ده بيفكرني إن الإرادة أقوى من المستحيل، وإن الجيش المصري مش مجرد قوة عسكرية، لكنه رمز للإيمان والعقيدة والوطنية الصادقة.”
جيل لم يشهد الحرب لكنه يعيش روحها
وتابعت: “لما بفتكر مشهد الجنود وهم بيرفعوا العلم على الضفة الشرقية، بدموع النصر وصرخات الفرح، وبأصوات التكبير اللي كانت بتهز القلوب قبل ما تهز السماء، بحس بعظمة اللحظة، وبفتكر أبطال راحوا عشان يفضل الوطن مرفوع الرأس، وأمهات قدّموا أغلى ما عندهم ورفعوا صور أولادهم بكل فخر وقالوا: ابني شهيد… بس مصر انتصرت.”

أوضحت بسملة الجمل طالبة بكلية الآداب، أنها تشعر بأنها تفهم تفاصيل حرب أكتوبر بشكل جيد، لكن هذا الفهم لم يأتِ من مصدر واحد فقط، وقالت: “المدرسة علمتني الأساسيات والتواريخ، لكن ما وصلتش الإحساس الحقيقي، الأفلام والوثائقيات كان ليها تأثير كبير، لأنها خلتني أشوف المشاهد بعيني وأحس باللي عاشوه الناس وقتها”.
إرث النصر في وجدان البنات
واستكملت: “كمان السوشيال ميديا ساعدتني أشوف زوايا مختلفة من الحكاية، صور وشهادات حقيقية ما كانتش بتظهر في الكتب”، وأضافت أن أكثر ما أثّر فيها كان حكايات أسرتها، خاصة كبار السن منهم، قائلة: “لما بيحكوا عن أيام الحرب، بيتكلموا بحماس وفخر، وده خلاني أحس إن الحرب مش مجرد حدث تاريخي، لكنها قصة كفاح حقيقية عاشها جيل كامل.”

وأفادت شروق عماد طالبة بالثانوية العامة، أن الجيل الحالي ما زال مرتبطًا بنصر أكتوبر ارتباطًا وثيقًا، مؤكدة أن الاحتفال السنوي بالذكرى خير دليل على بقاء هذا الارتباط في وجدان المصريين.
من الكتب إلى الشاشة كيف يرى الشباب التاريخ
وأضافت أن مشاعر الفخر والانتماء ما زالت حاضرة، قائلة: “الكره الشديد للعدو الصهيوني ما زال موجود، لأن كل بيت في مصر تقريبًا فيه شهيد أو بطل من أبطال نصر أكتوبر، وده بيخلينا نحس إننا جزء من القصة حتى لو ما عشناهش.”

التاريخ بين التعليم والإلهام
وأوضح الأستاذ عبد الفتاح أستاذ التاريخ، أن انتقال ذاكرة الأحداث التاريخية بين الأجيال لا يتحقق فقط عبر الكتب، بل من خلال السرد الحي والقصص الإنسانية التي تحكي بطولات الأفراد والأحداث الهامة في تاريخ الأمة، مثل حرب أكتوبر 1973، إلى جانب الدور الكبير الذي تلعبه وسائل الإعلام المرئية كالأفلام والمسلسلات التي تجسد تلك اللحظات وتعيد إحياءها في الوجدان، فضلًا عن الاحتفالات الوطنية التي تُذكّر الأجيال الجديدة بقيمة الانتصار.

وأضاف استاذ التاريخ أن التعليم يُعد ركيزة أساسية في غرس قيم المواطنة والانتماء والولاء للوطن، من خلال المناهج التي تتناول التاريخ الوطني وتُبرز تضحيات الأبطال، مشيرًا إلى أن هذه المناهج تسهم في ترسيخ قيم النصر وحب الوطن والدفاع عنه، وأشار إلى أن الوسائل الحديثة لتقريب التاريخ من الطلاب تعددت، مثل إنتاج الأفلام الوثائقية، أو تجسيد الأحداث التاريخية في المسرح الجامعي، إلى جانب الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقديم التجارب التعليمية بشكل تفاعلي يجعل الطالب يعيش الحدث ويشعر به.

ذكرى أكتوبر المجيد
وهكذا تظل ذكرى السادس من أكتوبر أكبر من كونها مجرد حدث تاريخي يُروى في الكتب، فهي تجربة إنسانية تُورث من جيل إلى آخر، وتتجدد في كل موقف يحمل معنى الإصرار والعمل من أجل الوطن، فبينما عاش جيل 73 لحظة النصر على أرض المعركة، يعيشها شباب اليوم في معارك مختلفة معركة العلم، والعمل، والإبداع، وصناعة المستقبل، وحتى وإن اختلفت الأدوات، تبقى “روح أكتوبر” هي الرابط الأبدي الذي يوحد المصريين على مرّ العصور، لتظل رسالة النصر حية في وجدان الأمة: أن المستحيل يمكن أن يتحقق عندما تتحد الإرادة ويصدق الانتماء.

