بينما تتسارع المتغيرات الإقليمية والدولية وتتشابك الأزمات في مشهد جيوسياسي معقد برز الدور المصري بقوة في لحظة فارقة ليعيد الزخم إلى القضية الفلسطينية ويقلب موازين الجمود الأوروبي تجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية فخلال الأسابيع الماضية شهدنا مواقف استثنائية من عواصم كبرى في أوروبا أبرزها باريس ولندن حيث أعلنتا الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية في خطوة وصفت بأنها نقطة تحول في السياسات الغربية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي
وراء هذا التحول يقف جهد مصري دبلوماسي متواصل اتسم بالهدوء والفعالية إذ تحركت القاهرة عبر قنوات متعددة وبخطاب عقلاني ثابت يرتكز إلى مرجعيات القانون الدولي وحتمية الحل العادل للقضية الفلسطينية ووفق مصادر مطلعة فإن الجانب المصري كثف من اتصالاته الثنائية مع صناع القرار في أوروبا مؤكدًا أن تجاهل الحقوق الفلسطينية لم يعد خيارًا واقعيًا إذا كان الهدف الحقيقي هو تحقيق استقرار دائم في المنطقة
لم تقتصر الجهود المصرية على الإقناع السياسي فحسب بل تجاوزته إلى طرح مبادرات عملية وإيجاد نقاط التقاء بين المواقف الأوروبية المتباينة حول المسألة الفلسطينية إذ استطاعت القاهرة أن تعيد تموضع الملف الفلسطيني على طاولة الحوار الدولي لا بوصفه عبئًا سياسيًا وإنما كضرورة استراتيجية لإنهاء دوامة العنف وقطع الطريق أمام موجات التطرف والفوضى
وتأتي هذه التحركات المصرية في إطار رؤية شاملة تتبناها الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي والذي شدد في أكثر من مناسبة على أن إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية هو مفتاح السلام في الشرق الأوسط وهي قناعة باتت تجد صداها اليوم في مواقف عدد من الدول الأوروبية التي بدأت تنظر إلى الصراع من زاوية أكثر واقعية وإنصافًا للحقوق الفلسطينية
ويرى مراقبون أن الاعتراف الفرنسي البريطاني بالدولة الفلسطينية ما كان ليتم في توقيت واحد لولا وجود تنسيق غير معلن بين هذه الدول وبين أطراف إقليمية فاعلة على رأسها مصر التي تملك علاقات متينة مع طرفي الصراع ومع العواصم الأوروبية الكبرى ما يجعلها قادرة على ملء الفراغ السياسي والاضطلاع بدور محوري في تحريك المواقف الدولية
ورغم أن الطريق ما زال طويلاً نحو تسوية شاملة عادلة للقضية الفلسطينية إلا أن الاعترافات الأوروبية الأخيرة تمثل مكسبًا سياسيًا ومعنويًا كبيرًا يحسب للدبلوماسية المصرية التي نجحت في أن تفتح ثغرة في جدار الصمت الغربي وتضع الكرة مجددًا في ملعب المجتمع الدولي لدفعه نحو خطوات أكثر جرأة ومسؤولية
في النهاية يبقى الدور المصري عنصرًا لا غنى عنه في أي حل سياسي مقبل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومع استمرار القاهرة في حراكها الهادئ والفعّال فإن مزيدًا من الاعترافات ربما يكون في الطريق وهو ما قد يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها أن فلسطين لم تعد وحيدة على الطاولة الدولية
