قال الدكتور عادل النجدي، عميد كلية التربية بجامعة أسيوط سابقًا، في تصريحات خاصة لموقع “في الجامعة” إن مرحلة الثانوية العامة في مصر تمثل نقطةً مفصليةً في حياة الطالب والأسرة على حدٍّ سواء، إذ تُختزل فيها أحلام المستقبل ومساراته، وفي ظل ذلك برزت ظاهرة الدروس الخصوصية بوصفها ركيزةً أساسيةً لا يكاد يستغني عنها معظم الطلاب، حتى تحولت من خيارٍ تعليمي إلى ضرورةٍ اجتماعيةٍ واقتصادية.
وأوضح أن مرحلة الثانوية العامة تفرض ضغوطًا نفسيةً هائلةً على الأسر؛ لأنها تمثل بوابة العبور إلى التعليم الجامعي والتخصصات المرموقة، ومع ارتفاع مستوى التنافس تتبنى الأسرة استراتيجية “تقليل المخاطرة”، فتتجه إلى الدروس الخصوصية باعتبارها وسيلةً لضمان التفوق أو على الأقل تجنب الإخفاق، وهنا لا تُنظر الدروس كتحسينٍ إضافي، بل كـ“تأمينٍ تعليمي” ضد تقلبات الامتحان وصعوبته.
عميد تربية أسيوط سابقاً: الدروس الخصوصية تحولت لـ تأمين تعليمي
وأشار إلى أنه من جهة يقوم النظام التعليمي على امتحانٍ واحدٍ عالي المخاطر يحدد مصير الطالب، مع تركيزٍ واضحٍ على الدرجات أكثر من الفهم العميق، ما يدفع الطلاب إلى البحث عن مصادر خارج المدرسة، ومن جهةٍ أخرى تُسهم الثقافة المجتمعية في تكريس الظاهرة؛ إذ يُنظر إلى التعليم كوسيلةٍ للترقي الاجتماعي، وتنتشر المقارنات بين الأسر، ويتزايد الخوف من “تفويت الفرصة” إذا لم يلتحق الطالب بالدروس، وبعبارةٍ أخرى: النظام يولّد الحاجة، والثقافة تضاعفها.

وأضاف أنه على الرغم من ارتفاع أسعار الدروس الخصوصية فإن الإقبال لم يشهد تراجعًا حقيقيًا، ويرجع ذلك إلى أن الطلب على الدروس يتمتع بمرونةٍ ضعيفة، إذ تعيد الأسر ترتيب أولوياتها المالية وقد تقلّص نفقاتٍ أخرى لتوفير التكلفة، وهكذا تتحول الدروس إلى “استثمارٍ إجباري” حتى لدى الأسر متوسطة ومحدودة الدخل.
وفيما يخص حجز القاعات الكبرى (السناتر)، أوضح أن بعض الأسر تلجأ إليها رغم تكلفتها الظاهرية لأنها تحقق معادلةً خاصة تتمثل في تكلفة أقل للفرد مقارنة بالدروس الفردية، والوصول إلى مدرسين ذوي سمعة قوية وخبرة في الامتحانات، وبيئة تنافسية تحفّز الطالب، والتركيز على النماذج المتوقعة والتدريب المكثف.
وأضاف أنه في كثيرٍ من الحالات لا تكتفي الأسرة بنمطٍ واحد، بل تجمع بين محاضراتٍ جماعية ومراجعاتٍ أصغر، فيما يمكن وصفه بـ“التعليم الموازي” بوصفه بديلًا عن المدرسة.

وأوضح أن انعكاسات الظاهرة على الأسرة المصرية تتمثل في عدة جوانب؛ فاقتصاديًا تمثل الدروس عبئًا كبيرًا على ميزانية الأسرة وقد تؤدي إلى ضغوط مالية حادة تصل أحيانًا إلى الاستدانة أو تقليص احتياجاتٍ أساسية، واجتماعيًا تتزايد حدة التوتر داخل الأسرة ويتحول البيت إلى مساحة قلق دائم، كما تُعاد صياغة الأدوار حيث يصبح أولياء الأمور في حالة متابعةٍ مستمرة لأداء المدرسين والسناتر، وتربويًا مع تراجع دور المدرسة الرسمية أصبح الطالب يعتمد بشكلٍ أكبر على التلقين والحلول النموذجية، ما يضعف مهارات التفكير النقدي والاستقلالية في التعلم.
واختتم بأن الدروس الخصوصية ليست مجرد ظاهرةٍ تعليمية عابرة، بل هي انعكاسٌ لتشابكٍ معقد بين بنية نظامٍ تعليمي قائم على اختبارٍ حاسم، وثقافةٍ مجتمعية تُعلي من شأن الدرجات، وضغوطٍ اقتصادية تدفع الأسر إلى الاستثمار القسري في التعليم الموازي، ومن ثم فإن أي معالجةٍ جادة لا بد أن تبدأ بإصلاح نظام التقييم، وتعزيز دور المدرسة، وإعادة توجيه وعي المجتمع من “تحصيل الدرجات” إلى “بناء المهارات”، عندها فقط يمكن تخفيف الاعتماد على الدروس واستعادة التوازن المفقود في العملية التعليمية.

