في ظل الجدل المتصاعد حول مستقبل الأطفال في العصر الرقمي، يتواصل النقاش المجتمعي والتربوي بشأن جدوى حظر السوشيال ميديا للأطفال دون سن الـ16 عامًا، بين من يراه ضرورة لحمايتهم من المخاطر المتزايدة، ومن يعتبره حلًا غير كافٍ دون وعي وتوجيه.
ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية في أيدي الأطفال بمراحل عمرية مبكرة، تتزايد التحذيرات من الإدمان الرقمي، والتعرض لمحتويات غير ملائمة، وتأثير ذلك على الصحة النفسية والتحصيل الدراسي.
بين المنع والتوعية.. حظر السوشيال ميديا للأطفال دون سن الـ16 عامًا
وفي هذا السياق، يرصد موقع «في الجامعة» آراء عدد من خبراء علم النفس والتربية، الذين يطرحون رؤى علمية متباينة حول الحظر الرقمي، بين المنع والتقييد والتوعية، ويكشفون عن التأثيرات النفسية والتعليمية لاستخدام السوشيال ميديا، وحدود الحلول الممكنة لحماية النشء دون عزلهم عن العالم الرقمي.

د. عاصم حجازي لـ”في الجامعة”: تقييد استخدام الأطفال للسوشيال ميديا ضرورة لحماية صحتهم النفسية والعقلية
قال الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس والقياس والتقييم التربوي، إن الإفراط في استخدام الهواتف الذكية والإنترنت يؤثر سلبًا على أدمغة الطلاب، ويحد من قدرتهم على التركيز والتعلم، فضلًا عما يسببه من أضرار صحية ونفسية، إلى جانب تعرّضهم لمحتوى قد يهدم القيم ويشجع على العنف والانحلال الأخلاقي وغيرها من السلوكيات السلبية.
وأوضح حجازي أن فرض قيود على الاستخدام المفرط للأطفال يراعي طبيعة هذه المرحلة العمرية الحساسة، ويهدف إلى حماية النشء والحفاظ على صحتهم النفسية وقدراتهم العقلية، مؤكدًا أن مثل هذا القرار يُعد خطوة مهمة في مواجهة التأثيرات السلبية المتزايدة لمواقع التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن تطبيق القرار قد يواجه بعض التحديات، أبرزها مدى استعداد الأسر للتعاون والمتابعة الجادة، والقيام بالدور الرقابي المطلوب لضمان الالتزام به على أرض الواقع.
وأضاف أن تفعيل هذه القيود من شأنه استعادة قدرات الأبناء الذهنية مرة أخرى، حيث تتحسن قدرة الدماغ على التركيز والتفكير التأملي والنقدي، ويكتسب الطفل مهارات تساعده على التعلم الجيد والإبداع، إلى جانب استقرار حالته النفسية والتخلص من القلق والتوتر المصاحبين للاستخدام المفرط للسوشيال ميديا.
وأكد الدكتور عاصم حجازي أن القرار قابل للتنفيذ عمليًا بدعم الأسرة، خاصة في ظل توافر أدوات الرقابة الأبوية الإلكترونية التي يمكن الاستعانة بها لتنظيم استخدام الأطفال للتكنولوجيا بشكل آمن ومتوازن.

د. محمد كمال لـ”في الجامعة”: الحظر الرقمي يعكس قلقًا عالميًا حقيقيًا على الصحة النفسية للمراهقين
قال الدكتور محمد كمال، الخبير التربوي وأستاذ جامعة القاهرة، إن تصاعد النقاشات العالمية خلال العقد الأخير حول فرض حظر قانوني يمنع الأطفال دون سن 16 عامًا من استخدام منصات التواصل الاجتماعي يعكس قلقًا حقيقيًا من التأثيرات النفسية والتربوية الخطيرة للاستخدام المفرط لهذه المنصات، خاصة مع تزايد التقارير التي تربط بينها وبين ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين المراهقين.
وأضاف أن إشارة الرئيس إلى خطورة استخدام الأطفال للهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي لفتت انتباه المجتمع المصري بأكمله إلى حجم المشكلة، ودفعت إلى إعادة فتح ملف الحماية الرقمية للنشء من منظور تربوي وأخلاقي.
وأوضح كمال أن الدعوة إلى فرض الحظر تنبع من رغبة مشروعة في حماية عقول لم يكتمل نضجها بعد، حيث إن الدماغ البشري قبل سن 16 عامًا لا يمتلك القدرات العصبية الكافية لمقاومة الخوارزميات المعقدة التي تعتمد عليها منصات السوشيال ميديا لجذب الانتباه وإدمانه.
وأشار إلى أن هذا التوجه يواجه تحديات واقعية، أبرزها التحايل الرقمي، إذ يتمكن المراهقون في كثير من الأحيان من تجاوز قيود السن، إلى جانب ما يُعرف بـ”جاذبية الممنوع”، حيث قد يدفع الحظر الصارم إلى الاستخدام السري بعيدًا عن الرقابة الأبوية، بما يزيد من حجم المخاطر بدلًا من تقليصها.
وفيما يتعلق بالتأثير الدراسي، أكد الخبير التربوي أن الحظر يمثل سلاحًا ذا حدين؛ فمن ناحية قد يحرر الطلاب من فخ التصفح اللانهائي الذي يستهلك وقت المذاكرة، ويضعف التركيز العميق، ويسهم في ما يُعرف بالتعفن الدماغي، لكنه في المقابل قد يعزل الطالب عن مجتمعات التعلم الرقمي التفاعلية التي أصبحت جزءًا من العملية التعليمية الحديثة.
وشدد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في المنع المطلق، بل في القدرة على الفصل بين الاستخدام التعليمي الهادف والمنصات الترفيهية الاستهلاكية، وأوضح الدكتور محمد كمال أن فرض حظر شامل وصارم يظل أمرًا صعب التطبيق تقنيًا، ما لم يتم ربط استخدام الإنترنت بهوية رقمية موثقة، كما هو الحال في بعض الدول مثل كوريا الجنوبية والصين، وهو ما يفتح بدوره نقاشًا واسعًا حول الخصوصية.
واقترح الخبير التربوي بدائل أكثر واقعية، من بينها فرض قيود ذكية بدلاً من الحظر الكلي، مثل تعطيل التنبيهات الليلية، وتقييد المحتوى الخوارزمي للفئات العمرية الصغيرة، وتصفية المحتوى غير الملائم على منصات مثل يوتيوب وتيك توك.
وأكد في ختام حديثه أن الحل لا يجب أن يقتصر على المنع فقط، بل يتطلب تفعيل أدوات الرقابة الأبوية الذكية، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في رصد التنمر الإلكتروني دون انتهاك الخصوصية، إلى جانب الاستثمار في التربية الإعلامية لتعليم الأطفال كيفية التعامل الواعي مع الشاشات، وتعزيز دور الأسرة في التوعية والمتابعة والحماية عند الحاجة.

د. تامر شوقي لـ”في الجامعة”: المنع المطلق للسوشيال ميديا ليس حلًا.. والتوعية هي الأساس
أكد الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس بكلية التربية جامعة عين شمس، أن قضية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وحظرها على الأطفال دون سن السادسة عشرة، تُعد من القضايا شديدة الأهمية، التي تستوجب اتخاذ إجراءات فعّالة، في ظل الانتشار الواسع للأجهزة المحمولة بين جميع فئات المجتمع، بغضّ النظر عن المستوى الاجتماعي أو التعليمي أو الفئة العمرية.
وأوضح أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في انتشار الهواتف الذكية بشكل عام، وإنما في وصولها إلى أيدي الأطفال في مراحل التأسيس المبكرة، سواء في مرحلة ما قبل المدرسة أو المرحلة الابتدائية، حيث يكون الطفل في هذه الفترات أكثر قابلية للتعلق الشديد بالأجهزة الرقمية، وهو ما قد يتطور إلى ما يُعرف بـ«الإدمان الرقمي»، الذي يعني قضاء الطفل لساعات طويلة أمام الهاتف المحمول، ليلًا ونهارًا، بل وأحيانًا فور الاستيقاظ من النوم.
وأشار إلى أن تطبيقات التواصل الاجتماعي، رغم احتوائها على بعض الجوانب الإيجابية، إلا أن بعضها الآخر يتضمن محتويات بالغة الخطورة، سواء من الناحية الأخلاقية، عبر عرض مشاهد غير لائقة، أو من خلال محتويات عنيفة قد تُكسب الطفل سلوكيات عدوانية، فضلًا عن ترسيخ عادات وسلوكيات تتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية.
وأضاف أن خطورة هذه التطبيقات تزداد رغم وجود قيود عمرية مفروضة نظريًا على استخدامها، إذ يلجأ كثير من الأطفال إلى التحايل بتسجيل تواريخ ميلاد غير حقيقية، أو الدخول عبر حسابات آبائهم أو أمهاتهم، بما يسمح لهم بالوصول إلى هذه المنصات دون رقابة حقيقية.
وأكد شوقي أن قرار حظر مواقع التواصل الاجتماعي عن الأطفال يُعد في جوهره قرارًا سليمًا لحماية النشء، سواء من التعرض للمحتويات غير الأخلاقية أو العنيفة، أو من مخاطر الابتزاز والتنمر الإلكتروني، أو حتى الوقوع في فخ مواقع شديدة الخطورة مثل «الدارك ويب»، التي قد تدفع الطفل إلى سلوكيات إجرامية تصل أحيانًا إلى إيذاء النفس أو الآخرين.
وفي المقابل، أوضح أن تطبيق الحظر يواجه تحديات كبيرة، من أبرزها أن المنع القاطع من جانب الأسرة أو المدرسة فقط قد يؤدي إلى زيادة تعلق الطفل بهذه الوسائل بدافع الفضول، فضلًا عن استغلال بعض الأطفال لغياب الرقابة الأسرية للدخول إلى هذه التطبيقات، أو استخدام حسابات وهمية دون علم الوالدين بما يتعرض له الطفل من محتوى.
وشدد أستاذ علم النفس على أن الحل لا يكمن في المنع المطلق، وإنما في تعليم الطفل كيفية التمييز بين الصواب والخطأ في استخدام التكنولوجيا، موضحًا أن الهاتف المحمول ووسائل التواصل الاجتماعي تحمل جوانب إيجابية وأخرى سلبية، ويجب توجيه الطفل نحو الاستخدام الإيجابي بدلًا من حرمانه التام.
وأوضح أن منع الهواتف المحمولة عن الأطفال بشكل كامل لا يُعد حلًا جذريًا، لأن الأجهزة الرقمية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من العالم المعاصر، ويجب تدريب الطفل على التعامل الآمن معها، خاصة أنها تُستخدم في التعليم والتعلم، وتسهّل الوصول إلى منصات التعليم عن بُعد، وقواعد البيانات العالمية، والمحتويات الثقافية والتراثية والتعليمية.
وحول تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على التعلم، أشار شوقي إلى أنها قد تؤدي إلى ظاهرة «التشتت الرقمي»، وضعف التركيز على المحتوى التعليمي، فضلًا عن اكتساب بعض السلوكيات العدوانية أو غير الأخلاقية، ما ينعكس سلبًا على فاعلية التعليم الرقمي.
وأكد في ختام حديثه أن السيطرة الكاملة على استخدام الأطفال للتكنولوجيا أمر غير قابل للتنفيذ، وأن الحل الحقيقي يبدأ من الأسرة والمدرسة معًا، من خلال تقديم الوالدين نموذجًا إيجابيًا في استخدام الأجهزة الرقمية، بما يمنع تحول استخدامها إلى إدمان رقمي، ويُكسب الطفل مهارات الاستخدام الآمن والواعي للتكنولوجيا.

حظر السوشيال ميديا للأطفال دون سن الـ16 عامًا
وفي النهاية، يتفق خبراء علم النفس والتربية على أن التعامل مع السوشيال ميديا للأطفال دون 16 عامًا لا يمكن اختزاله في قرار الحظر وحده، بل يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين التوعية الأسرية، والرقابة الذكية، وتنظيم الاستخدام الرقمي بما يحمي الصحة النفسية والعقلية للنشء.
فبين مخاطر الإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، والتشتت الدراسي، تظل الأسرة والمدرسة شريكين أساسيين في بناء وعي رقمي آمن، يوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا في التعليم والتعلم، وتقليل آثارها السلبية.
ويبقى التحدي الحقيقي هو إيجاد حلول واقعية تحمي الأطفال من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي دون عزلهم عن العالم الرقمي الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية.

